إلى الحكومة الجديدة: قبل اتخاذ قرار بشأن مؤسسات الريادة، ماذا عن التمويل والالتزامات القائمة؟
الحسين زاهدي، أستاذ التعليم العالي، خبير في السياسات التربوية العمومية
يتطلع الرأي العام التربوي إلى معرفة موقف الحكومة الجديدة من مشروع “مؤسسات الريادة”: هل ستواصل الحكومة الجديدة هذا المشروع، أم ستعيد النظر فيه، أم ستتجه إلى إيقافه؟
يستمد هذا السؤال مشروعيته من البرامج الانتخابية للأحزاب المشكلة للحكومة الجديدة، ومن النقاش المجتمعي الذي رافق المشروع منذ انطلاقه، وكذلك من مصير تجارب إصلاحية سابقة، مثل بيداغوجيا الإدماج.
وإذا كان أي موقف من المشروع المذكور يتطلب الاستناد إلى عملية تقويم موضوعية تمكن من الوقوف على مكامن قوته ومواطن ضعفه، فإن هناك جانباً آخر ذا أهمية قصوى يتعين إيلاؤه ما يستحق من الاهتمام، وهو الجانب المالي والمؤسساتي.
1 – البنك الدولي وبرنامج دعم التعليم : 750 مليون دولار
تظهر وثائق البنك الدولي أن المغرب استفاد من برنامج دعم التعليم (PASE)، الذي انطلق سنة 2019 بتمويل قدره 500 مليون دولار، قبل أن تتم المصادقة سنة 2023 على تمويل إضافي قدره 250 مليون دولار، ليصبح إجمالي تمويل البرنامج 750 مليون دولار.
وهو برنامج يشمل، فضلاً عن دعم الإصلاحات التي تتقاطع مع مشروع مؤسسات الريادة، مجالات أخرى، من بينها التعليم الأولي، وتحسين التعلمات الأساس، وتطوير ممارسات التدريس، وتأهيل هيئة التدريس وتكوينها، وتحسين الحكامة والتدبير.
إن الطبيعة الشمولية للبرنامج تدعونا إلى طرح سؤال أساس:
ما حصة “مؤسسات الريادة” من التمويل الذي وفره البنك الدولي لهذا البرنامج؟
وفي هذا السياق، نشير إلى أن البنك الدولي ذكر صراحة أن برنامج دعم التعليم، البالغ 750 مليون دولار، يدعم الإصلاحات التي ينفذها المغرب، ومن بينها التوسع في أساليب التدريس القائمة على الأدلة، والدعم العلاجي، والتدريس وفق المستوى المناسب، وتقوية هيئة التدريس والحكامة التعليمية.
وهي كلها مكونات تتقاطع بصورة مباشرة مع النموذج البيداغوجي المعتمد في مؤسسات الريادة.كما يذكر البنك الدولي أن مشروع مؤسسات الريادة توسع من 626 مؤسسة ابتدائية في الموسم الدراسي 2023–2024 إلى 4,626 مؤسسة في 2025–2026، بما يشمل أكثر من مليوني تلميذ، ونحو 75 ألف مدرس و960 مفتشاً.
وهكذا لم تعد مؤسسات الريادة مجرد تجربة محدودة، وإنما أصبحت مشروعاً واسع النطاق داخل منظومة التعليم العمومي.
2 – كم بلغ حجم التمويل الذي وُجّه فعلياً إلى مؤسسات الريادة؟
فإذا كان برنامج دعم التعليم ممولاً من البنك الدولي بمبلغ إجمالي يبلغ 750 مليون دولار، وكان هذا البرنامج يشمل عدة مكونات، فإن السؤال المشروع هو:
ما حجم التمويل الذي تم توجيهه فعلياً إلى المكونات المرتبطة بمشروع مؤسسات الريادة؟
تظهر أحدث البيانات المالية للبنك الدولي، إلى غاية 30 سبتمبر 2026، أن عملية التمويل الإضافي البالغة 250 مليون دولار سجلت حوالي 121.82 مليون دولار من المصروفات الفعلية، مقابل حوالي 135.25 مليون دولار متاحة للصرف.
ولا يجوز، مع ذلك، اعتبار مبلغ 121.82 مليون دولار إنفاقاً على مؤسسات الريادة تحديداً، لأنه يتعلق بالعملية الإضافية لبرنامج دعم التعليم ككل.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى أن تقدم الحكومة للرأي العام، بصورة واضحة، الكلفة الإجمالية لمشروع مؤسسات الريادة، ومصادر تمويله، والمبالغ التي صرفت فعلياً، وأوجه صرفها.
ماذا يعني إيقاف المشروع بعد هذا التوسع؟
إذا قررت الحكومة، بناءً على تقويم موضوعي للنتائج، أن مؤسسات الريادة لم تحقق الأهداف المنتظرة، فمن حقها، بل من واجبها، أن تعيد النظر فيها. لكن، في المقابل، يتعين عليها أن تجيب عن سؤال آخر لا يقل أهمية، يتعلق بمصير الموارد التي تمت تعبئتها والاستثمارات التي أنجزت.
فقد ترتب عن المشروع، خلال السنوات الماضية، تكوين أطر تربوية، وتطوير أدوات للتدريس والدعم والتقويم، وإعداد موارد تربوية، وإدخال أنماط جديدة من التنظيم والتتبع، وتوسيع التجربة لتشمل آلاف المؤسسات. وهو ما تطلب تعبئة موارد مالية مهمة، في إطار برنامج يحظى بدعم البنك الدولي ويرتبط بمؤشرات ونتائج محددة، وليس بمجرد تمويل غير مشروط.
لذلك، لا يمكن أن يظل السؤال الآتي دون جواب:
ماذا سيحدث لكل هذه الاستثمارات البشرية والمؤسساتية والتربوية إذا تم إيقاف المشروع؟
3 – هل نبدأ من الصفر؟
من الصعب جداً أن تعمد كل حكومة جديدة إلى محو ما أنجزته الحكومة السابقة، وأن تدعونا في كل مرة إلى الانطلاق من الصفر. فذلك، بلا شك، يمثل شكلاً من أشكال هدر زمن الإصلاح، كما أنه يتعارض مع طبيعة الإصلاح التربوي الذي يفترض التراكم والاستمرارية.
ومن غير المقبول كذلك الاشتغال بعيداً عن القانون الإطار رقم 51.17، الذي يشكل تعاقداً وطنياً واستراتيجياً لإصلاح منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، ويتعين أن يشكل مرجعية مشتركة تتجاوز الأزمنة الحكومية قصيرة الأمد.
لذلك، فإن أي موقف ستتخذه الحكومة الجديدة ينبغي أن يستحضر هذه المعطيات:
ضرورة تقويم المشروع على أساس نتائجه الفعلية، وضرورة الحفاظ على استمرارية الإصلاح وتراكمه، فضلاً عن حجم الموارد المالية التي تمت تعبئتها من المال العام.
4 – إلى الحكومة الجديدة :
أعتقد أنه قبل اتخاذ أي قرار نهائي بشأن مستقبل مؤسسات الريادة، لا بد من تنوير الرأي العام والباحثين والخبراء، بتقديم أجوبة واضحة عن الأسئلة التالية:
• ما هي الكلفة الإجمالية التي تحملتها الدولة منذ إطلاق المشروع؟
• ما هو الجزء من هذه الكلفة الذي يرتبط ببرنامج دعم التعليم الممول من البنك الدولي؟
• كم تم صرفه فعلياً إلى حدود اليوم، وما أوجه صرفه؟
• ما هي النتائج التي تحققت فعلياً على مستوى التعلمات؟
• ما مكونات المشروع التي أثبتت فعاليتها، وما المكونات التي تحتاج إلى مراجعة؟
• ما مصير الاستثمارات والتكوينات والأدوات والالتزامات المرتبطة بالمشروع في حالة إيقافه أو إعادة هيكلته؟
إننا، إذ نطرح هذه الأسئلة، لسنا بصدد الدفاع عن مشروع “مؤسسات الريادة”، كما أننا لا ندعو إلى توقيفه. إننا، بكل بساطة، ندعو إلى أن يكون القرار التربوي قائماً على المعطيات والنتائج والكلفة والاستمرارية. فاستمرارية المشاريع الإصلاحية أو عدمها لا ينبغي أن ترتبط بحكومة انتهت ولايتها وأخرى بدأت ولايتها، بقدر ما ينبغي أن تخضع لمعيار واحد ووحيد:
ماذا تعلم أطفالنا فعلاً؟ وكم كلفنا ذلك؟ وماذا تعلمنا نحن من التجربة؟