*كيف تصنع وسائل التواصل الاجتماعي الفتنة وتُهدد أمن ووحدة الوطن؟
إعداد، المهندس عبدالله ايت شعيب،
فاعل سياسي، نائب برلماني سابق وكاتب مغربي.
يوم الجمعة 5 يونيو 2026.
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
قبل أن أبدأ هذا الحديث، أوجه نداءً صادقًا ومسؤولًا إلى رؤساء الأحزاب السياسية وكل الفاعلين السياسيين خاصة السادة الوزراء والبرلمانيين، وإلى الأساتذة الجامعيين والباحثين والمفكرين، وإلى رجال ونساء الإعلام، وإلى كل من يعتبر نفسه مؤثرًا في الرأي العام عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
اتقوا الله في هذا الوطن.
أنتم لستم مجرد مواطنين عاديين يعبرون عن آرائهم الشخصية، بل أنتم صناع مواقف وموجهون للرأي العام، وكلماتكم لا تقف عند حدود الشاشات والمنصات، بل تمتد آثارها إلى عقول الناس وقلوبهم وسلوكهم. ولذلك فإن مسؤوليتكم أكبر من مسؤولية غيركم، وخطأكم أخطر من خطأ غيركم.
* احذروا من إذكاء نار التعصب والتشنج والاستقطاب.
* احذروا من تحويل الاختلاف السياسي والفكري إلى معارك وجودية بين أبناء الوطن الواحد.
* احذروا من لغة التخوين والتشهير والتحريض التي لا تبني وطنًا ولا تدافع عن قضية، بل تزرع الأحقاد وتعمق الانقسامات وتهدد السلم الاجتماعي.
ليس من حق أحد أن يحتكر الوطنية لنفسه، وليس من حق أحد أن ينصب نفسه قاضيًا يوزع صكوك الوطنية والخيانة على المواطنين وفق مواقفه وقناعاته. فحب الوطن لا يقاس بدرجة الاتفاق أو الاختلاف في الرأي، وإنما يقاس بمدى الحرص على وحدته واستقراره ومصالحه العليا.
وإذا كان من حق الأحزاب أن تتنافس، ومن حق المفكرين أن يختلفوا، ومن حق الإعلاميين أن ينتقدوا، ومن حق المؤثرين أن يعبروا عن آرائهم، فإن من واجب الجميع أيضًا أن يضعوا مصلحة الوطن فوق الحسابات الحزبية الضيقة، وفوق الرغبات الشخصية، وفوق المصالح الانتخابية العابرة، وفوق كل الأجندات التي لا ترى في الوطن إلا وسيلة لتحقيق مكاسب ظرفية.
إن أخطر ما يمكن أن ترتكبه النخب السياسية والفكرية والإعلامية ليس الخطأ في التقدير، بل المساهمة الواعية أو غير الواعية في تمزيق المجتمع وشحنه بالكراهية والعداء المتبادل. فالكلمة التي تؤجج الفتنة قد تترك جرحًا عميقًا في جسد الوطن، وقد تهدم في أيام ما بُني خلال عقود من التعايش والثقة والاستقرار.
إن الأوطان القوية لا تُبنى بالتحريض، ولا بالصراخ، ولا بالتخوين، بل تُبنى بالحكمة والمسؤولية وضبط النفس واحترام حق الاختلاف.
ومن كان يعتبر نفسه قائدًا للرأي أو مؤثرًا في الناس، فعليه أن يكون جزءًا من الحل لا جزءًا من المشكلة، وجسرًا للحوار لا وقودًا للصراع، وصوتًا للعقل لا أداة للاستقطاب والانقسام.
بناء على ما سلف ذكره، اسمحوا لي بان أؤكد بان من أخطر الأوهام التي سقط فيها كثير من الناس في عصر وسائل التواصل الاجتماعي أنهم يعتقدون أنهم يمارسون حريتهم في التعبير، بينما هم في الحقيقة يُساقون في كثير من الأحيان إلى معارك لم يختاروها، ويُستدرجون إلى صراعات لا تخدم مصالحهم ولا مصالح أوطانهم.
يكفي أن يُلقى طُعمٌ صغير في الفضاء الرقمي، تصريحٌ مستفز، أو مقطعٌ مجتزأ، أو صورةٌ منتقاة بعناية، أو خبرٌ صيغ بطريقة تثير الغضب والانفعال، حتى تبدأ الجموع في التراشق والاشتباك. فجأة ينقسم الناس إلى معسكرات متقابلة، ويصبح كل طرف مقتنعًا بأنه يحتكر الحقيقة والوطنية والأخلاق، وأن الطرف الآخر لا يستحق إلا التخوين والتشهير والإقصاء.
هذا يُتهم بأنه صهيوني أو مطبع، وذاك يُتهم بأنه عميل لإيران أو تابع لهذا المحور أو ذاك. وتبدأ حفلات السب والشتم والتخوين، ويتحول النقاش من تبادل للأفكار إلى معركة كسر عظام، ومن اختلاف في الرأي إلى عداوة شخصية، ومن تنوع سياسي وفكري طبيعي إلى حالة استقطاب خطيرة تهدد السلم الاجتماعي.
والمفارقة المؤلمة أن كثيرًا من المتصارعين داخل وطننا الحبيب لا تربطهم أي علاقة مباشرة بالأطراف التي يتقاتلون من أجلها. لا إسرائيل تعرفهم، ولا إيران تعرفهم، ولا القوى الدولية والإقليمية المتصارعة تكترث لوجودهم. ومع ذلك تجدهم يخوضون معارك شرسة على الشاشات وكأن مصير العالم متوقف على انتصار أحد الفريقين في تعليق أو منشور أو بث مباشر.
إن الدول، مهما كانت شعاراتها، تتحرك وفق مصالحها الوطنية والاستراتيجية. تتحالف اليوم وقد تختلف غدًا، وتتخاصم اليوم وقد تتصالح غدًا. أما بعض أبناء شعبنا فيحملون هذه الصراعات على ظهورهم، ويحولونها إلى خصومات دائمة داخل المجتمع المغربي، وإلى عداوات بين أبناء الوطن الواحد.
لقد نجحت الخوارزميات في تحويل ملايين البشر إلى جنود متطوعين في حروب إعلامية ونفسية لا يدركون أبعادها الحقيقية. فهي لا تكافئ الحكمة ولا الاعتدال ولا التوازن، بل تكافئ الإثارة والغضب والصدام وخلق الفتن داخل وطننا كما يريد الأعداء.
والأخطر من ذلك أن بعض الناس أصبحوا مستعدين للتضحية بعلاقاتهم الاجتماعية ووحدة مجتمعهم من أجل مواقف سياسية تخص أطرافًا بعيدة عنهم جغرافيًا وسياسيًا. فأصبح حزب سياسي يعادي حزبا آخر، وباحث أكاديمي ومحلل سياسي يعادي زميله، بل والأخ يعادي أخاه، والصديق يهجر صديقه، وأفراد الأسرة الواحدة يتخاصمون بسبب قضايا لا يملكون التأثير فيها أصلًا.
ولو انتقل هذا الاحتقان الإلكتروني إلى الواقع السياسي والمؤسساتي، لأدركنا حجم الخطر الذي نلعب بالنار حوله كل يوم. فحين يصبح المخالف خائنًا، والمعارض عميلاً، وصاحب الرأي المختلف عدوًا، فإن أول ضحايا هذا المنطق هي الديمقراطية والسلم الأهلي والتعايش المشترك.
تصوروا للحظة لو أن المغرب كان يعيش نظامًا سياسيًا قائمًا على منطق الغلبة المطلقة، بحيث يتمكن تيار سياسي واحد من احتكار السلطة وإقصاء منافسيه وإخضاع مؤسسات الدولة لرؤيته وحدها. ماذا كان سيحدث في ظل هذا الكم الهائل من الكراهية المتبادلة والتحريض والتخوين الذي نراه يوميًا على منصات التواصل الاجتماعي؟ إن بعض ما يُنشر ويُقال اليوم يوحي بأن الخلاف لم يعد مجرد اختلاف في البرامج أو المواقف، بل أصبح عند البعض صراعًا وجوديًا لا مكان فيه للتعايش أو الاعتراف بالآخر. ولو قُدّر لمثل هذه العقليات أن تمتلك سلطة مطلقة دون ضوابط أو توازنات، لكان الثمن الذي سيدفعه الوطن باهظًا للغاية.
إن بعض الخطابات المتداولة اليوم توحي بأن أصحابها لا يريدون مجرد الانتصار الفكري أو السياسي، بل يريدون إلغاء الطرف الآخر من الوجود المعنوي والسياسي. وهذا مؤشر خطير على أن المشكلة لم تعد في الاختلاف، بل في رفض حق الآخر في الاختلاف.
ومن هنا تبرز أهمية المؤسسة الملكية في المغرب الضامنة للاستقرار والاستمرارية، التي شكلت عبر التاريخ المغربي عنصر توازن ووحدة بين مختلف المكونات والتيارات والحساسيات. فوجود مرجعية وطنية جامعة فوق التجاذبات الحزبية والإيديولوجية ساهم في حماية البلاد من كثير من الهزات التي عرفتها دول أخرى عندما تحولت الخلافات السياسية إلى صراعات تهدد كيان الدولة نفسها. وما يجري في تونس ومصر ليس علينا ببعيد…
فالحمد لله على نعمة الاستقرار ووحدة الدولة، وعلى المؤسسة الملكية التي ظلت عبر التاريخ المغربي ركيزة من ركائز التوازن والاستمرارية، ونسأل الله أن يحفظ وطننا ومؤسساته من كل فتنة أو انحراف أو سوء.
إن ما نحتاجه اليوم ليس المزيد من الصراخ، بل المزيد من الحكمة. وليس المزيد من التخوين، بل المزيد من الإنصاف. وليس المزيد من الاستقطاب، بل المزيد من الوعي.
علينا أن نتوقف قبل أن نضغط زر “مشاركة”، وأن نسأل أنفسنا: من المستفيد من هذا المحتوى؟ من المستفيد من تأجيج هذا الصراع؟ من المستفيد من تحويل أبناء الشعب الواحد إلى خصوم يتبادلون الكراهية والاتهامات؟
إن الأوطان لا تسقط فقط تحت وقع القنابل والمدافع، بل قد تسقط أيضًا حين تتآكل الثقة بين أبنائها، وحين ينتصر التعصب على العقل، والانفعال على الحكمة، والكراهية على روح المواطنة.
فلنختلف كما نشاء، فهذا حق طبيعي ومشروع. ولكن لنبقَ أبناء وطن واحد، يجمعهم مصير واحد ومستقبل واحد.
ولندرك أن ما يجمع المغاربة من تاريخ مشترك وثوابت وطنية وروابط إنسانية وحضارية أعمق وأبقى وأعظم من كل الخلافات السياسية والإيديولوجية العابرة.
كفى غباءً، وكفى انجرارًا وراء الطعوم التي تُلقى إلينا كل يوم. فليس من الحكمة أن نهدم بأيدينا ما عجز خصوم الأوطان عن هدمه عبر عقود طويلة. وليس من الوطنية أن نحول اختلافاتنا إلى معارك داخلية يستفيد منها الجميع إلا نحن.
اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد.