” ما لا يريد احد مناقشته عن انتخابات 2026 ”
بقلم د. عبد الإله حمدوشي
بالنظر إلى تاريخ الانتخابات بالمغرب، سنجد بأنه تاريخ صراع بين إرادتين: إرادة النضال من أجل نزاهة الانتخابات وشفافيتها، وإرادة تحريف وتزوير إرادة الناخبين بطرق مختلفة..
في الصف الأول اصطفت إرادة الأحزاب الوطنية التي خرجت من رحم الشعب، وفي الصف الثاني تم توظيف أحزاب مختلفة لإقامة توازنات سياسية وانتخابية، ولهذا ارتبطت مختلف المحطات الانتخابية بسؤال الثقة في القواعد المؤطرة للاقتراع أكثر من ارتباطها فقط بسؤال النتائج..
ورغم التحولات العميقة التي عرفها المجتمع المغربي، والتي تجسدت في دينامية 20 فبراير سنة 2011، وما رافقها من مطالب بالديمقراطية والكرامة والعدالة الاجتماعية، والتي أسهمت في إعادة ترتيب جزء من المشهد السياسي والدستوري؛ فإن النقاش حول الانتخابات ظل في جوهره مرتبطا بسؤال كيفية تنظيم انتخابات حرة ونزيهة منسجمة مع المعايير الدولية المعتمدة في هذا الباب؟ ووفق أي قواعد تدار المنافسة السياسية، وبأي ضمانات تصان إرادة الناخبين..
وفي السياق ذاته، وخلال المحطات التي عرفت تعديل القوانين المؤطرة للانتخابات، كان من المفترض أن يحتل النقاش حول هذه القوانين موقع الصدارة في النقاش العمومي والسياسي خاصة على مستوى الأحزاب، باعتبار أن القاعدة القانونية هي التي تحدد طبيعة التمثيلية، وشروط المنافسة، ودرجات العدالة بين الفاعلين السياسيين.. لكن للأسف ظل جزء من هذا النقاش محدودا أو محصورا، في الوقت الذي كان الأجدر والأجدر أن تثار بقوة أسئلة نمط الاقتراع، والتقطيع الانتخابي، وتمويل الحملات، وضمانات النزاهة، وآليات المراقبة، باعتبارها عناصر حاسمة في تحديد جودة العملية الانتخابية قبل الحديث عن نتائجها..
أما الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، فهي لا تخرج عن هذا السياق التاريخي، حيث يتجه جزء من النقاش العمومي إلى التركيز على سؤال من سيتصدر النتائج، ومن سيحتل المرتبة الأولى، ومن سيقود الحكومة المقبلة، في حين أن هذا السؤال، رغم أهميته الإعلامية والسياسية، لا يعكس جوهر الرهان الحقيقي لهذه المحطة الانتخابية..
إن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينحصر في منطق التوقعات والتكهنات حول الحزب الأول، بقدر ما ينبغي أن ينصب على نمط الاقتراع ومدى عدالته، وعلى معايير التقطيع الانتخابي، وعلى شروط تمويل الحملات الانتخابية، وعلى ضمانات الشفافية في العملية الانتخابية، وعلى دور الإعلام في تأطير النقاش العمومي، وعلى آليات المراقبة والتتبع..
ولذلك، فإن النقاش حول الانتخابات، إذا أريد له أن يكون نقاشا منتجا، ينبغي أن ينتقل من سؤال “من سيفوز؟” إلى سؤال “كيف ستجرى الانتخابات؟”، ومن منطق ترتيب الأحزاب إلى منطق ضمان نزاهة العملية الانتخابية برمتها، ومن حساب المقاعد إلى حساب الثقة..
باختصار، فإن الانشغال المسبق بترتيب النتائج، في ظل غياب نقاش جدي حول شروط إنتاجها، لا يضيف شيئا إلى جودة الحياة السياسية، بقدر ما يكرس اختزال الديمقراطية في لحظة الإعلان عن النتائج، في حين أن جوهر الديمقراطية يوجد في القواعد التي تسبق هذه اللحظة، وفي الضمانات التي تحيط بها، وفي مدى شعور المواطن بأن صوته له قيمة حقيقية داخل العملية السياسية..