المبادئ الأساسية والقضايا الاتفاقية في علم مقاصد الشريعة
بقلم د.أحمد الريسوني
الحلقة 2 : ( تابع )
المراد بالضروريات: المصالح التي بدونها تتعرض الحياة الفردية أو الجماعية لخطر جسيم وضرر بليغ لا يُحتمل، ولا تنتظم معه الحياة.
والمراد بالحاجيات: المصالح التي يرتفع بوجودها الضيق والحرج والعنت، ويكون الناس معها في سعة وطمأنينة.
والمراد بالتحسينسيات: المصالح التي هي دون الضروريات والحاجيات، ولكنها تضفي عليها كمالا وجمالا، ورفعة وبهجة.
ولا خلاف بين علماء الشريعة أن المصالح الضرورية تقدم في الحفظ على المصالح الحاجية، وأن هذه تقدم على التحسينية، وأنه لا يجوز التضحية بضروري لحفظ حاجي، ولا التضحيةُ بحاجي لحفظ تحسيني، وأن العكس هو اللازم شرعا وعقلا، فتحفظ الضروريات أولا، ثم الحاجيات، ثم التحسينيات.
وعلى هذا المنوال تمضي قواعد الموازنة والترجيح بين المصالح والمفاسد المتعارضة والمتزاحمة..، فيقدم في جلب المصالح أعظمُها وأنفَسُها وأعَمُّهَا. ويقدم في درء المفاسد أخطرُها وأضَرُّهَا وأقْبَحُها.
ولم يختلفوا كذلك في أن أصولَ الضروريات وأمهاتِها، هي الكليات الخمس: الدين، والنفس والعقل والنسل والعقل والمال. بل هي أصول المصالح كلِّها وقطبُ رحاها.. قال الغزالي: “ومقصود الشرع من الخلق خمسة؛ وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يُفَوِّت هذه الأصولَ فهو مفسدة ودفعها مصلحة”[11].
هذه الضروريات الخمس يستدل عليها العلماء باستقراء مجمل الشريعة، في مختلف أبوابها التشريعية. فبعد تعاملهم الطويل ونظرهم الدقيق في القرآن والسنة، وفي الأحكام الفقهية المنضوية فيهما، وجدوا أن هذه الضروريات الخمس دائما تكون حاضرة ومَرعية ومحفوظة، بوجه من الوجوه.
وذكر الشاطبي أن هذه الضروريات الخمس قد تأصلت في القرآن وتفصلت في السنة. فهذه إشارة إلى التأصيل القرآني لها.
وقال ابن عاشور: ” وقد تنبّه بعض علماء الأصول إلى أن هذه الضروريات مشار إليها بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ}؛ إذ لا خصوصية للنساء المؤمنات. فقد كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يأخذ البيعة على الرجال بمثل ما نزل في المؤمنات، كما في صحيح البخاري…”[12].
وعلى هذا النحو الجامع ورد ذكر مضمون هذه الضروريات في مواضع أخرى من القرآن الكريم، كما في قوله تعالى {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 151].
ومثل هذه الإشارات التأسيسية يوجد أيضا في سورة الإسراء وسورة الفرقان..
ومما هو مُقَرَّرٌ ومُسَلَّمٌ عند جماهير الفقهاء والأصوليين: أن الأوامر والنواهي الشرعية، وما تنطوي عليه من أحكام، منها ما هو مطلوب لذاته، لما فيه – هو نفسه – من مصلحة أو مفسدة، ومنها ما هو مطلوب لا لذاته، بل لغيره فقط، أي بالظر إلى ما يفضي إليه ويترتب عنه من مصلحة أو مفسدة.
ومن هنا انقسمت الأحكام الشرعية إلى مقاصد ووسائل، وتقرر أن أحكام الوسائل تابعة لأحكام مقاصدها. وتَقرر – عموما – أن الوسائل أخفضُ رتبة من المقاصد، ولذلك فعناية الشرع بالمقاصد وحرصُه عليها، أشد من عنايته وحرصه على الوسائل. فيقدم حفظ المقاصد على حفظ الوسائل..
وبناء على ما سبق وغيره من نصوص الشرع وأحكامه، استنبط العلماء قواعد فقهية أصولية جليلة، مثل قاعدة “سد الذرائع”، وقاعدة “فتح الذرائع”، التي تفرعت عنها قاعدة “ما حرم للذريعة يباح للحاجة، أو للمصلحة”..
وهي كلها قواعد قائمة على اعتبار مقاصد الشريعة وتحكيمها..
ومن هنا أضحت مقاصد الشريعة وقواعدها أساسا مكينا ودليلا متينا، يستند إليه العلماء، ويستضيئون به في مسائلهم واجتهاداتهم. بل قرر الشاطبي أن مرتبة الاجتهاد في الدين “إنما تحصل لمن اتصف بوصفين: أحدهما فهمُ مقاصد الشريعة على كمالها، والثاني التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها”[13].
وعلى هذا، فلا اجتهاد بحق دون مقاصد..
ولأجل تقريب الشقة بين العلماء، وخاصة في المسائل الخلافية والنوازل الجديدة التي لا نص فيها، يؤكد العلامة محمد الطاهر بن عاشور ضرورة العناية بالمقاصد الشرعية والقواعد الكلية القطعية، واتخاذها مرجعا يحتكمون إليه ويقفون عنده. ولهذا الغرض ألف كتابه الرائد (مقاصد الشريعة الإسلامية)، الذي دعا فيه إلى تأسيس علم مستقل خاص بمقاصد الشريعة. قال في مطلع الكتاب: “هذا كتاب قصدتُ منه إلى إملاء مباحثَ جليلةٍ من مقاصد الشريعة الإسلامية، والتمثيلَ لها، والاحتجاجَ لإثباتها، لتكون نبراساً للمتفقِّهين في الدين، ومرجعاً بينهم عند اختلاف الأنظارِ وتبدل الأعصار، وتوسُّلًا إلى إقلال الاختلاف بين فقهاء الأمصار…
دعاني إلى صرف الهمة إليه ما رأيتُ من عُسر الاحتجاج بين المختلفين في مسائل الشريعة، إذ كانوا لا ينتهون في حجاجهم إلى أدلّة ضرورية، أو قريبة منها، يذعن إليها المكابر ويهتدي بها المشبَّهُ عليه، كما ينتهي أهلُ العلوم العقلية في حجاجهم المنطقي والفلسفي إلى الأدلّة الضروريات والمشاهدات والأصول الموضوعة؛ فينقطعُ بين الجميع الحجاج، ويرتفع من أهل الجدل ما هم فيه من لَجاج. ورأيت علماء الشريعة بذلك أولى، وللآخرةُ خير من الأولى”[14].
وعلى سبيل المثال، فمن أعظم كليات الشريعة: مقصد العدل، أو القسط، المبثوثُ حفظه ورعايتُه في كل تفاصيل الشريعة وتصاريفها. وفضلا عن ذلك ورد ذكره والحث عليه بصفة كلية عامة، كما في هذه الآيات، على سبيل المثال:
– {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25]
– {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم} [الأنعام: 115]
– {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْط} [الأعراف: 29]
– {وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} [الشورى: 15]
– {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْل} [النساء: 58]
– {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ} [النساء: 135]
فمتى وأينما وكيفما ظهر العدل، فالواجب شرعا والمقصود شرعا: إقامته والتمسك به والدفاع عنه.
قال ابن القيم: “فإن الله سبحانه أرسل رسله، وأنزل كتبه، ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسماوات، فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه. والله سبحانه أعلم وأحكم، وأعدل أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيء، ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دلالة، وأبين أمارة، فلا يجعله منها، ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها، بل قد بين سبحانه بما شرعه من الطرق، أن مقصوده إقامة العدل بين عباده، وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين، وليست مخالفة له”[15].
[11] – المستصفى من علم الأصول (1/ 417)
[12] -. مقاصد الشريعة الإسلامية (3/ 235)
[13] – الموافقات (4/ 105)
[14] مقاصد الشريعة الإسلامية، ص 3 ـ 4.
[15] – الطرق الحكمية (ص: 17)