*الحلقة السادسة عشرة : توصيات ومقترحات موجّهة لشيوخ القبائل والأعيان:
اعداد، المهندس عبدالله ايت شعيب.
*المحور الثالث: توصيات ومقترحات:
يوم الإثنين 02 فبراير 2026.
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
إخوتي وأخواتي في ربوع الوطن وخارجه،
أهلنا الكرام في الصحراء المغربية،
إخواننا في مخيمات تندوف،
بعد أن تناولنا في الحلقات السابقة مسؤولية السلطات العمومية والمجالس المنتخبة وغيرهم في تحصين الوحدة الوطنية وترسيخ الثقة بين المواطن والمؤسسات، يتبيّن بوضوح أن المعركة ضد النزعات الانفصالية ليست فقط معركة قانونية أو مؤسساتية أو تنموية، بل هي أيضًا معركة وعي وانتماء وقيم، تُخاض داخل البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمع نفسه.
لقد أبرزت الحلقة الخامسة عشرة أن المجالس المنتخبة تُجسّد الشرعية الديمقراطية المحلية، وتمثل حلقة الوصل بين الدولة والمواطن في المجال التنموي والسياسي. غير أن هذه الشرعية المؤسسية، مهما بلغت قوتها، تحتاج إلى سند اجتماعي وثقافي يضفي عليها المصداقية والقبول المجتمعي، ويُحوّل القانون إلى قناعة، والمؤسسات إلى ثقة، والسياسات العمومية إلى التزام وجداني.
ومن هنا، ننتقل في هذه الحلقة السادسة عشرة إلى فاعل اجتماعي تاريخي لا يقل أهمية وتأثيرًا، وهو *شيوخ القبائل والأعيان والمرجعيات الاجتماعية الصحراوية*، باعتبارهم حَمَلة الذاكرة الجماعية، وحراس القيم، وجسر الثقة بين الدولة والمجتمع، وبين الماضي والحاضر، وبين القانون والوجدان الشعبي.
فإذا كانت السلطات العمومية تمثل سلطة الدولة، والمجالس المنتخبة تمثل الإرادة الشعبية والمؤسسات الديمقراطية، فإن شيوخ القبائل والأعيان يمثلون الشرعية الاجتماعية والرمزية التي تُسهم في توجيه السلوك الجماعي، وصناعة الرأي داخل المجتمع الصحراوي، وخاصة في صفوف الشباب.
ومن هذا المنطلق، تُخصَّص هذه الحلقة السادسة عشرة لجملة من التوصيات والمقترحات الموجَّهة إلى شيوخ القبائل والأعيان.
قبل اقتراح التوصيات، يجب أن نذكر بأنه لا يمكن إنكار الأدوار الوطنية المشهودة التي اضطلع بها عدد كبير من شيوخ القبائل ووجهائها، سواء في الدفاع عن مغربية الصحراء أمام المنتظم الدولي، أو في مواكبة المسار الوطني منذ المسيرة الخضراء، وهو دور يستحق التنويه والتقدير، ويجب تثمينه وتوثيقه ونقله للأجيال الجديدة باعتباره جزءًا من التاريخ الوطني المشترك.
غير أن التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة، وتراجع سلطة القيم التقليدية أمام تأثير الوسائط الرقمية والخطابات العابرة للحدود، تفرض اليوم تجديدًا واعيًا لوظيفة الشيخ والوجيه، بما يجعلها أكثر قربًا من انشغالات الجيل الجديد، وأكثر قدرة على مخاطبة أسئلته وهواجسه بلغة العصر، دون التفريط في الثوابت الوطنية والمرجعيات التاريخية.
لقد طرحنا في حلقات سابقة أسئلة جوهرية موجّهة لشيوخ القبائل والأعيان، من قبيل:
*من المسؤول أخلاقيًا وتاريخيًا عن ترك بعض الشباب فريسة للخطابات الانفصالية؟ وأين كان الدور القبلي والاجتماعي حين تسللت الشكوك إلى وجدان الأجيال الجديدة؟*
وهي أسئلة لا تُطرح من باب الاتهام، بل من باب استنهاض الضمير الجماعي وتجديد الوظيفة التاريخية للنخب التقليدية في سياق جديد ومعقّد.
وفي هذا الإطار، يُنتظر من شيوخ القبائل والأعيان ما يلي:
*1. استعادة الدور القيادي الأخلاقي والرمزي داخل المجتمع:*
القيام بدور الوسيط الاجتماعي والأخلاقي بين الدولة والمجتمع، ونقل انشغالات الشباب وكل الصحراويين بصدق ومسؤولية، بدل الاكتفاء بدور التمثيل الشكلي أو الموسمي.
فالشيخ والوجيه ليس مجرد ناقل مطالب، بل صانع توازن اجتماعي وضامن للسلم الأهلي.
*2. محاصرة الخطابات الانفصالية داخل الفضاء القبلي والأسري:*
الانخراط الفعلي في تفكيك الخطابات الانفصالية داخل الأسر والقبائل عبر الحوار الهادئ، والتأثير الرمزي، واستحضار الروابط الأسرية والإنسانية التي مزّقها النزاع، وإعادة بناء سردية وطنية داخل البيت والقبيلة قبل المدرسة والإعلام.
*3. المساهمة في إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات:*
الاضطلاع بدور فاعل في ترسيخ جسور الثقة بين المواطن والمؤسسات الوطنية، من خلال تبنّي خطاب جامع ومتزن يزاوج بين الدفاع المسؤول عن الحقوق المشروعة والمطالب الاجتماعية للساكنة، وبين الالتزام الواضح والثابت بالثوابت الوطنية وفي مقدمتها الوحدة الترابية للمملكة.
فوضوح الخطاب واتساقه يعزّز الاطمئنان لدى المواطنين، خاصة الشباب، بينما قد يؤدي الغموض أو ازدواجية الرسائل—ولو عن غير قصد—إلى ارتباك في الوعي العام وفتح المجال أمام التأويلات المغلوطة والخطابات المغرضة.
*4. الانفتاح الحقيقي على الشباب وتأطيرهم:*
الانفتاح على الشباب وتأطيرهم من موقع المصاحبة لا الوصاية، وإشراكهم في المبادرات القبلية والاجتماعية والوطنية، وتمكينهم من فضاءات للحوار داخل البنية القبلية نفسها، بدل تركهم يتشكلون فكريًا في فضاءات رقمية عابرة للحدود.
*5. التنسيق مع المجالس المنتخبة والسلطات العمومية:*
التنسيق المنتظم مع المجالس المنتخبة والسلطات العمومية في القضايا ذات الحساسية الاجتماعية، بما يضمن معالجة استباقية للاحتقان الاجتماعي بدل تركه يتراكم في الصمت، لأن الصمت الاجتماعي غالبًا ما يكون أرضية خصبة للتطرف والانفصال الرمزي.
*6. لعب دور محوري في لمّ الشمل الأسري والإنساني:*
المساهمة الفعلية في جهود لمّ الشمل الأسري والإنساني، خاصة فيما يتعلق بالعلاقات العائلية الممتدة بين الأقاليم الجنوبية ومخيمات تندوف، من خلال مبادرات وساطة اجتماعية وإنسانية، لأن الروابط الأسرية هي أقوى سلاح ضد القطيعة السياسية والإيديولوجية.
*7. تجديد الخطاب القبلي بلغة العصر:*
تحديث الخطاب القبلي ليخاطب الشباب بلغة عقلانية ومعاصرة، تستحضر التاريخ والبيعة والشرعية، ولكن بأسلوب تربوي وإقناعي، بدل الاقتصار على الخطاب التقليدي الذي قد لا يصل إلى الأجيال الرقمية.
*8. توثيق الذاكرة القبلية الوطنية:*
المساهمة في توثيق تاريخ البيعة والارتباط التاريخي للقبائل الصحراوية بباقي جهات المملكة وسلاطين المغرب عبر العصورعبر شهادات وكتب ومحتويات رقمية، وتحويل الذاكرة الشفوية إلى أرشيف وطني حيّ، ليكون سلاحًا معرفيًا في مواجهة الروايات الانفصالية.
*9. رعاية مبادرات شبابية وطنية داخل القبائل:*
دعم مبادرات شبابية داخل القبائل (منتديات، مخيمات، ملتقيات فكرية، أنشطة ثقافية)، تُعزّز الوعي الوطني وتخلق قيادة شبابية جديدة من داخل البنية القبلية نفسها.
*10. اعتماد الوساطة القبلية في النزاعات الاجتماعية:*
استعادة الدور التقليدي في الوساطة الاجتماعية لحل النزاعات المحلية، لأن الاحتقان الاجتماعي غير المعالج يُستثمر بسهولة في الخطابات الانفصالية.
*11. المشاركة في الدبلوماسية القبلية الموازية:*
المساهمة في دبلوماسية قبلية موازية عبر التواصل مع امتدادات القبائل عبر الحدود، خاصة بدول الجوار، وتوضيح الحقائق التاريخية، وتفكيك السرديات المعادية للوحدة الترابية من داخل النسيج الاجتماعي نفسه.
*12. بناء تحالف قبلي وطني جامع:*
العمل على بناء ميثاق قبلي وطني يضم شيوخ القبائل والأعيان بالأقاليم الجنوبية، يُعلن التزامًا أخلاقيًا وتاريخيًا واضحًا بالوحدة الترابية، ويُشكّل مرجعية أخلاقية للأجيال الصاعدة.
منظومة التكامل بين الشرعية القانونية والاجتماعية
ويجب التأكيد هنا على أن شيوخ القبائل والأعيان ليسوا بديلًا عن المؤسسات، ولا المؤسسات بديلًا عنهم، بل يشكّلون معًا منظومة تكاملية متداخلة، يكون فيها:
*• القانون:* إطارًا ناظمًا للحقوق والواجبات،
*• والمؤسسات:* أداة تنفيذ وتنزيل السياسات العمومية،
• *والشرعية الاجتماعية:* جسر ثقة وقبول مجتمعي يحوّل القانون إلى قناعة والمؤسسات إلى انتماء.
وأي خلل في أحد هذه المكونات ينعكس مباشرة على منسوب الانتماء الوطني لدى الشباب، ويُضعف الجبهة الداخلية مهما بلغت قوة الدولة القانونية والمؤسساتية.
*خاتمة الحلقة السادسة عشرة:*
إخوتي وأخواتي الأفاضل،
لقد بيّنت هذه الحلقة أن شيوخ القبائل والأعيان والمرجعيات الاجتماعية ليسوا مجرد رموز تقليدية في البنية المجتمعية الصحراوية، بل هم ركيزة أساسية في معادلة الوعي والانتماء، وفاعل تاريخي في صناعة السلم الاجتماعي، وبناء الثقة، وتوجيه السلوك الجماعي نحو الاستقرار والوحدة الوطنية.
ففي مجتمع يتقاطع فيه التاريخ بالقبيلة، والهوية بالذاكرة، والسياسة بالوجدان، تظل الشرعية الاجتماعية عنصرًا حاسمًا في تحصين الجبهة الداخلية، وفي تحويل الانتماء من شعار سياسي إلى قناعة مجتمعية متجذّرة.
غير أن الشرعية الاجتماعية، مهما بلغت قوتها، تحتاج بدورها إلى أذرع مدنية وتنظيمية حديثة تُترجم القيم إلى برامج، والخطاب إلى ممارسة، والذاكرة إلى مشاريع تربوية وثقافية وتنموية مستدامة.
وهنا يبرز دور *النسيج الجمعوي* باعتباره الفضاء المدني الوسيط بين القبيلة والمؤسسة، وبين المواطن والسياسة العمومية، وبين الوعي الفردي والعمل الجماعي المنظم.
ومن هنا، ننتقل في *الحلقة السابعة عشرة* إلى فاعل مدني لا يقل أهمية، وهو *النسيج الجمعوي بالأقاليم الجنوبية*، بوصفه رافعة للديمقراطية التشاركية، ومدرسة للمواطنة، وأداة استراتيجية لتحصين الشباب من الخطابات الهدّامة، وبناء ثقافة الانتماء الوطني عبر التأطير المدني والتربوي والثقافي.
إلى الحلقة السابعة عشرة، حيث نناقش مسؤولية المجتمع المدني في معركة الوعي، ودوره في تحويل المواطنة من مفهوم قانوني إلى ممارسة يومية، ومن خطاب سياسي إلى سلوك اجتماعي راسخ.
والله وليّ التوفيق والسداد،
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أخوكم المهندس عبد الله أيت شعيب