في رحاب الأسماء الحسنى: الله.. المُصور
د.عبدالكريم بكار
هل نظرتَ إلى وجهك يومًا… على أنه آية؟
ليس مجرد ملامح اعتدتَ رؤيتها في المرآة، ولا تفاصيل عابرة تشبه غيرها…
بل صورة اختارها الله لك، وصاغها بحكمة، وأخرجها إلى الوجود على غير مثالٍ سبق.
قال تعالى:
﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: 24]
بعد أن قدَّر الأشياء علمًا (الخالق)،
وأوجدها متميزةً عن غيرها (البارئ)،
جاء اسم الله المصور ليُتمَّ الإيجاد بإعطاء كل مخلوق صورته الخاصة وهيئته التي شاءها له.
ما معنى أن الله هو “المصور”؟
المصور هو الذي أعطى كل مخلوق صورته وهيئته وصفته التي تليق به، فلا تشابه تام بين اثنين، ولا تطابق كامل بين مخلوقين.
قال تعالى:
﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: 6]
فهو سبحانه يُثبت لنفسه فعل التصوير، ونثبته له كما أثبته لنفسه، من غير تشبيهٍ بخلقه، ولا خوضٍ في الكيفية، فالكيف مجهول، والإيمان به واجب، كما هو منهج السلف.
تأملات في اسم الله “المصور”
1. الإبداع لا التكرار
لو كان الخلق عشوائيًا لتكررت النسخ، لكن الواقع يشهد بتنوعٍ لا ينتهي: ملامح، أصوات، طبائع، قدرات… هذا التنوع آية على كمال القدرة، وعلى أن المصور سبحانه يفعل ما يشاء بحكمة.
2. الجمال المرتبط بالحكمة
تصوير الله ليس مجرد زينة ظاهرية، بل هو إتقانٌ مرتبط بوظيفة وحكمة. ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: 7] فهيئة العين تناسب الإبصار، وبنية الجسد تناسب القيام بوظيفته، وكل صورة هي الأكمل لصاحبها ضمن حكمة الله وعلمه.
3. تفاوت الصور لحكمة
اختلاف الصور والأشكال ليس معيار كرامة أو مهانة، فالميزان عند الله بالتقوى لا بالهيئة.
قال تعالى:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]
فالتصوير ابتلاءٌ كما هو نعمة، والتفاضل الحقيقي في العمل والإيمان.
كيف نتعبد لله باسم “المصور”؟
1. الرضا بالخِلقة
أن نوقن أن الصورة التي نحن عليها اختيار الحكيم العليم،
فنبتعد عن السخط والاعتراض، ونحذر من التغيير المحرم الذي يقوم على ازدراء صنعة الخالق.
2. شكر النعمة
أن نستعمل هذه الصورة فيما خُلقت له:
عينٌ في النظر إلى الحلال، ولسانٌ في ذكر الله، وجوارح في الطاعة.
3. احترام التنوع
لا تسخر من هيئة أحد، ولا تحتقر مظهرًا، فالمصور واحد، والخلق كلهم صنعته.
خلاصة المعنى
اسم المصور يعلّمنا: أن وجودنا ليس صدفة، وصورتنا ليست عبثًا، وتنوعنا ليس خللًا. بل هو فعل ربٍ حكيم، أحسن كل شيء خلقه، وصوّر فأبدع، وقدّر فأحكم.
فإذا استقر هذا المعنى في القلب،
تحول النظر في المرآة من عادة…
إلى عبادة وتأمل.