الجواب الصريح على السؤال المحوري للسلسلة: من المسؤول عن استمرار النزعات الانفصالية بعد خمسين سنة من استرجاع الأقاليم الجنوبية
اعداد، المهندس عبدالله ايت شعيب.
🇲🇦 *الحلقة الرابعة والعشرون والأخيرة : خلاصة شاملة – شكر وامتنان:
يوم السبت 14 فبراير 2026.
🇲🇦*المسؤولية جماعية، والتقصير متعدد المستويات، والتدارك واجب وطني عاجل لا يقبل التأجيل:
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أهلنا الكرام في الصحراء المغربية،
إخواننا في مخيمات تندوف،
إخوتي وأخواتي في ربوع الوطن وخارجه،
استنادًا إلى ما ورد في حلقات هذه السلسلة، ينبغي أن نقولها بوضوح مؤلم، وبصراحة مرة، وبشجاعة فكرية ومسؤولية تاريخية لا تحتمل المجاملة أو التهرب. ينبغي أن نقولها بصدق، لأن الصمت لم يعد حيادًا ونحن نرى بعض أبنائنا يُستدرجون بخطابات الزيف والانفصال، بعد نصف قرن من السيادة، والتنمية، والاشراف على التربية والتعليم، بل لأن الصمت يعد تقصيرًا في حق الوطن، وفي حق أبنائه :
*المسؤولية جماعية، والتقصير متعدد المستويات، والتدارك واجب وطني عاجل لا يقبل التأجيل.*
الدولة بمؤسساتها المركزية والترابية، والنخب السياسية والفكرية، والأحزاب، والمجالس المنتخبة، والمجتمع المدني، إضافة إلى الأسر وشيوخ القبائل والأعيان، والمنتخبين المحليين، والإعلام المحلي، ومؤسسات التربية والتعليم والثقافة والدين في الأقاليم الجنوبية… كل هؤلاء يشتركون، بدرجات متفاوتة، في مسؤولية ما حدث من ثغرات في بناء الوعي الوطني، وفي تحصين المجال الاجتماعي والثقافي ضد الخطابات الانفصالية.
*كل هؤلاء مسؤولون عن كون النزعة الانفصالية تجد لها، إلى اليوم، موطئ قدم في وعي بعض أبنائنا، رغم مرور نصف قرن كامل على إشراف مؤسساتنا الوطنية على التربية والتكوين بالاقاليم الجنوبية المسترجعة.
فالأسرة هي النواة الأولى للانتماء، وشيوخ القبائل يمثلون الشرعية الاجتماعية والذاكرة الجماعية، والمنتخبون المحليون يجسدون حضور الدولة في المجال الترابي، والإعلام يصوغ الرأي العام، فيما تشكل المدرسة والمسجد والمراكز الثقافية البنية العميقة لصناعة الهوية الوطنية وترسيخ الانتماء للدولة والشعب المغربي.
*فوالله، لولا تفريطنا وتقصيرنا، ولو أحسنا القيام بواجبنا في التربية والتأطير وصناعة الوعي، لما وجد خطاب الانفصال منفذًا إلى عقول أبنائنا ولا موطئ قدم في وجدانهم بعد خمسين سنة من إشرافنا على التعليم والثقافة في أقاليمنا الجنوبية .
فاتقوا الله في أسرٍ أنهكها هذا النزاع المفتعل، واستنزفها الانقسام بين خيارٍ وحدوي وآخر انفصالي، وفرّق بينها الامتداد الجغرافي كما فرّقتها المواقف السياسية.
اتقوا الله في مستقبل أبنائكم، وفي حقهم في هوية مستقرة وانتماء آمن غير ممزق، واتقوا الله في وحدة وطنكم التي لا تُصان بالشعارات وحدها، بل تُبنى ببصيرة تربوية، وتُحصَّن بوعي راسخ، وتُرمَّم بثقة متبادلة ولمٍّ صادق للشمل.
فإن أكبر مأساة هذا النزاع لم تكن في السجالات السياسية ولا في المناورات الدبلوماسية، بل في تمزيق الأسر الصحراوية، وتفتيت روابطها الطبيعية، وتشتيت أبنائها بين ضفتين يجمعهما الدم ويفصل بينهما الخلاف.
إنها جراح إنسانية عميقة في النسيج الاجتماعي، لن تندمل إلا بالصدق مع الذات، والجرأة في الاعتراف بالتقصير، والعمل الجاد على إعادة بناء الإنسان قبل إعادة تثبيت الموقف.
فمسؤوليتنا اليوم لا تقتصر على الدفاع عن طرحٍ سياسي، بل تمتد إلى تضميد هذا الشرخ الاجتماعي، وصيانة الروابط الأسرية، وبناء مستقبلٍ تتقدم فيه وحدة الإنسان قبل وحدة التراب؛ لأن الأوطان القوية لا تُحفظ بالخرائط فقط، بل تُصان بأسرٍ متماسكة، ووعيٍ ناضج، وثقةٍ متبادلة بين الدولة ومواطنيها.
لقد كشف الضعف في سلاسل التربية والتعليم والتأطير عن فراغ استراتيجي، تسللت إليه مشاريع خارجية وخطابات مضللة فاستثمرته.
ومن ثم، فإن الاعتراف بالتقصير ليس جلدًا للذات، ولا انتقاصًا من المكاسب الوطنية، بل هو شرط موضوعي للإصلاح البنيوي، ومدخل ضروري لإعادة هندسة السياسات العمومية في التربية والثقافة والإعلام والتنمية الترابية.
والغاية ليست فقط الدفاع عن طرحٍ سياسي، بل تحويل مغربية الصحراء من خطابٍ يُرفع إلى وعيٍ يُغرس، ومن شعارٍ يُردد إلى قناعةٍ راسخة تتوارثها الأجيال؛ لأن الأوطان لا تُحمى بالخرائط وحدها، بل تُصان بأسرٍ متماسكة، ووعيٍ ناضج، وثقةٍ متبادلة بين الدولة ومواطنيها.
لقد أثبت التاريخ أن النزعات الانفصالية لا تُهزم فقط بالسلاح أو الدبلوماسية، بل تُهزم قبل ذلك ببناء الإنسان، وترسيخ الانتماء، وتجديد العقد الوطني بين الدولة والمجتمع.
وختامًا، فإن هذه السلسلة لم تكن مجرّد مقالات رأي، بل كانت محاولة صادقة لأداء واجب النصح وواجب الشهادة الفكرية والوطنية، ولطرح السؤال الكبير الذي تهرّبنا طويلًا من مواجهته: *لماذا تستمر بعض النزعات الانفصالية بعد خمسين سنة من استرجاع الأقاليم الجنوبية؟*
قد تجد هذه الحلقات آذانًا صاغية، وقد لا تجد، وقد تُقابل بالتجاهل أو التأويل أو النقد أو سوء الفهم ، لكن ذلك لن يغيّر من حقيقتها شيئًا: *إنها شهادة للتاريخ، ومسؤولية أمام الوطن، وصرخة ضمير في زمن يسهل فيه الصمت المريح ويصعب فيه البوح بالحقيقة*.
وإننا، إذ نضع بين أيدي جميع الفاعلين المعنيين بملف الوحدة الترابية بدء بالسكان في الأقاليم الجنوبية وفي مخيمات تيندوف وشيوخ القبائل، مرورا بجمعيات المجتمع المدني والاعلام المحلي والأحزاب السياسية، وكل المسؤولين المتعاقبين على تدبير الشأن العام في أقاليمنا الجنوبية من سلطات مركزية وإقليمية ومؤسسات عمومية ومجالس منتخبة، نضع بين أيديهم جميعا ما تضمّنته هذه الحلقات من تشخيصات صريحة وتوصيات عملية ومقترحات إصلاحية نحسبها مفيدة، كما نجدد دعوتنا الصادقة إلى التأمل فيها، والأخذ بما يُرى منها مناسبًا ونافعًا، بروح وطنية خالصة ومسؤولية جماعية واعية.
فالمقصود لم يكن تسجيل العتاب، بل فتح أفق الإصلاح، ولم يكن توزيع اللوم، بل إيقاظ الهمم وتحفيز الإرادة المشتركة نحو بناء مناعة فكرية ومجتمعية أكثر صلابة تُمكّننا من الاعتماد على قوتنا الذاتية وتحصين الوطن بعيدًا عن استجداء المواقف الدولية المتذبذبة والمكلفة.
فلا قدر الله، إن لم تُسمع هذه الدعوة اليوم، فستبقى وثيقة فكرية وأخلاقية تُقرأ غدًا، شاهدة على أننا حاولنا أن نقول الحقيقة كما نراها، وأن نضع الوطن فوق كل اعتبار، وأن ندق ناقوس الوعي قبل أن يصبح الندم بلا جدوى.
*** *.. وفاء وامتنان: اعتذار وشكر وتقدير لكل من ساهم في هذه الرحلة:
وقبل أن أضع القلم، أجد لزامًا عليّ أن أتوقف عند كلمة وفاء لا تكتمل هذه السلسلة بدونها.
أتقدّم بخالص الشكر والتقدير والامتنان لكل من مدّ لي يد النصح والمشورة قبل وأثناء إعداد هذه الحلقات؛ من شيوخ قبائل ووجهاء، ومنتخبين، وإعلاميين، وأساتذة جامعيين، وباحثين، وفاعلين جمعويين، وكل غيورٍ صادقٍ على هذا الوطن.
وأخصّ بالشكر والتقدير كذلك كل من التقيتُهم من أبناء الصحراء خلال مشاركتي في فعاليات النسخة الثالثة من ملتقى العيون للصحافة بشمال إفريقيا والشرق الأوسط، المنعقد يومي 24 و25 دجنبر 2025، بدعوة كريمة ومقدّرة من نادي الصحراء للصحافة والتواصل. فقد كانت تلك اللقاءات مساحة حوار صريح ومسؤول، أفسحت المجال لتبادل الرأي دون حواجز، وأكدت لي أن في أبناء هذه الأرض من النضج والوعي والغيرة الصادقة ما يبعث على الأمل ويستحق كل تقدير.
كما أخصّ بالشكر الجزيل الأستاذ والأخ العزيز *البشير الدخيل، أحد أبرز مؤسسي جبهة البوليساريو*، والذي تشرفت بلقائه في عدة مناسبات، كما ظلّ التواصل بيننا قائمًا عبر الهاتف بشكل مستمر، في نقاشات مطوّلة ومسؤولة حول هذا الملف المعقّد. وأعرب له عن خالص امتناني لما تفضل به من معلومات دقيقة، ومعطيات موثّقة، وإضاءات مهمة، وما أسداه إليّ من توجيهات منهجية في كيفية تناول هذا الموضوع بحسّ علمي متوازن، يبتعد عن التشنج ويقترب من البحث الجاد عن الحقيقة. لقد وجدت في حواراته سعة أفق، وجرأة في المصارحة، وحرصًا على أن يُقرأ التاريخ بعينٍ ناقدة لا بعينٍ متعصبة.
وبالمناسبة، فإن الأستاذ والأخ العزيز البشير الدخيل هو من اقترح عليّ تقديم هذا البحث في صيغة حلقات متتابعة، إيمانًا منه بأن الأجيال الجديدة تميل إلى المضامين المختصرة والمتدرجة أكثر من النصوص المطوّلة. وقد كان لاقتراحه هذا أثرٌ بيّن في الشكل الذي خرجت به هذه السلسلة.
ولا يفوتني أن أستحضر بكل تقدير ووفاء *روح معالي السفير محمد ماء العينين رحمة الله عليه* والذي تشرفت بلقائه والتحاور معه حول هذا الموضوع خلال تقديمي لمحاضرة تحت عنوان “مغربية الصحراء.. دلائل وحقائق”، في إطار فعاليات معرض الكتاب والنشر المنظم بالرباط في صيف سنة 2025 بدعوة كريمة من السيد رئيس النادي الديبلوماسي المغربي معالي السفير عبد الوهاب البلوقي حفظه الله. فقد أغنى رحمه الله النقاش بما قدّمه من شهادات ومعطيات قيّمة بحكم مواكبته القريبة لتطورات الملف، وكان لإضاءاته أثرٌ واضح في تعميق فهمي لبعض جوانبه. نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدّم لوطنه.
لقد كان لتوجيهاتهم الصريحة، ولملاحظاتهم الدقيقة، ولغيرتهم الوطنية الصادقة، أثرٌ بالغ في تصويب منهجيتي في تناول هذا الملف الحساس، وفي تعميق فهمي للسيكولوجيا الجماعية والبنية الاجتماعية لأهلنا في الصحراء، بما أتاح لي توسيع أفق النظر، وتعميق التحليل، ونقل الطرح من وقع التأثر الآني إلى مستوى المسؤولية الرشيدة، مع تجنّب الأسلوب الجارح أو المستفز الذي يبعد بدل أن يقرب.
وبالتالي، فهذا العمل لم يكن جهد فردٍ معزول، بل ثمرة حوارٍ ممتد، وقلقٍ مشترك، وإحساسٍ جماعي بثقل المرحلة.
ثم إني، وأنا أختم هذه السلسلة، أقولها بطمأنينة الضمير: إن كنتُ قد أخطأتُ في تقديرٍ، أو قصّرتُ في إحاطةٍ، أو جاءت عبارةٌ على غير ما أردتُ لها من مقصد، فإني *أعتذر بصدقٍ لكل من شعر بأنني أسأتُ إليه، أو لم أنصفه في طرحٍ أو توصيف*.
فالاجتهاد البشري لا يسلم من النقص، والكلمة مهما تحرّت الإنصاف قد تخون صاحبها أحيانًا. وما قصدتُ يومًا تجريحًا، ولا سعيتُ إلى خصومةٍ مع أحد، وإنما كان همّي أن أؤدي ما أراه واجبًا من النصح، وأن أقول ما يمليه عليّ ضميري الوطني والفكري.
فإن أصبتُ فمن الله، وإن أخطأتُ فحسبي أنني حاولتُ بصدق.
وإيمانًا مني بأن هذه الحلقات تحمل أفكارًا أرى أنها جادة وجديرة بالاهتمام، فقد عزمت يعون الله على جمعها في كتيّب متكامل، يُتاح لكل مهتم، ولكل باحث، ولكل مواطن غيور على وطنه، ليصل صداها إلى أوسع نطاق ممكن.
فهي ليست مجرد كلمات على الورق، بل رسالة ضمير وواجب، صرخة حقيقية لأجيالنا الحاضرة والمقبلة.
أمنيتي أن تصل هذه الحلقات إلى دوائر القرار، لتكون عونًا في معالجة ملف وحدتنا الترابية وللترافع من أجلها، ونبراسًا يضيء الطريق أمام من يملكون مسؤولية رسم مستقبل الوطن.
كما أتمنى أن تلامس قلوب كل أبنائنا وإخواننا في الأقاليم الجنوبية، وحتى في مخيمات تندوف، لتذكّرهم بأن القضية الوطنية واحدة، وأن انتماءنا لوطننا مسؤولية مشتركة تتجاوز لحظة معينة، وتمتد لتشمل حاضرنا ومستقبلنا معًا.
ليكن هذا الكتيّب صوتًا صادقًا، ويدًا تمتد لإيقاظ الوعي، ومصدرًا للتأمل والعمل، حتى تتقاطع الجهود، وتتقارب القلوب، ويجد كل منا في نفسه دافعًا حقيقيًا لحماية وطنه، وترسيخ وحدة الأرض والشعب، بروح من التفاني، ووعي منضبط، وحسّ عميق بالمسؤولية.
وختامًا، أضع هذه الكلمات بين يدي الوطن، وبين يدي التاريخ، وبين يدي الأجيال القادمة، بوصفها اجتهادًا صادقًا، وصرخة ضمير، ومحاولة للإسهام في ترميم ما تصدّع، وبناء ما يحتاج إلى إعادة بناء.
اللهم إن كنتُ قد وفّقتُ فلك الحمد، وإن قصّرتُ فاغفر لي تقصيري، واجعل عملي هذا خالصًا لوجهك الكريم، نافعًا لوطني وأهلي، جامعًا للكلمة، مؤلفًا للقلوب.
ولنستحضر دائمًا قول الحق سبحانه وتعالى:
(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (سورة آل عمران الآية 103)
فلنحوّل كلماتنا إلى أفعال، وأفكارنا إلى مشاريع، وطاقتنا الوطنية إلى حصن يحمي وطننا، وقلوبنا إلى منارة يستنير بها الأجيال القادمة.
(إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ”، صدق الله العظيم). (سورة هود، الآية 88).
*اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد.*
والله وليّ التوفيق والسداد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.