الوضوح الكاذب
اعداد ،د.عبدالكريم بكار ،مفكر وأكاديمي سوري
نعيشُ اليوم في عصرٍ تتوفرُ فيه المعرفةُ بلمسةِ زر، وبات الواحدُ منا يملكُ من الخطط والقوائم ما يكفي لإدارةِ دولة، ومع ذلك، يشتكي الكثيرون من (الوقوف في المكان نفسه). المعضلةُ تكمن فيما أسميه “الوضوح الكاذب”؛ وهو الشعور بالرضا الذي يمنحنا إياه التخطيط، فنظنُّ أننا بـ “كتابة الأهداف” قد قطعنا نصف الطريق، والحقيقة أننا لم نبرح مكاننا بعد!
كيف نتحرر من هذا الفخ؟
1. العملُ يولّدُ المعنى، لا العكس: نحن ننتظرُ “الوضوح التام” لنبدأ، بينما الوضوحُ لا يأتي إلا من خلال (الاحتكاك بالواقع). إنَّ أدنى درجات الإنجاز خيرٌ من أعلى درجات التخطيط النظري. ابدأ بما لديك، وسوف تتضح لك الرؤيةُ وأنت في الطريق، لا وأنت جالسٌ خلف شاشتك.
2. لذةُ “الإنجاز الوهمي”: حين تشتري كتاباً جديداً، أو تتابع دورةً تدريبية، أو تكتب قائمةً بالمهام، يفرزُ دماغك هرمونات السعادة وكأنك أنجزت العمل فعلاً ! هذا هو التخدير الذي يمنعنا من بذل الجهد الحقيقي. السيادةُ على النفس تبدأ بـ (تقليل الكلام، وتكثير العمل)، وبتعلّم أنَّ لذة “النهايات” لا تُنال إلا بصبر “البدايات”.
3. قاعدة “الخطوة الواحدة”: التفكيرُ في نهاية الطريق يُصيبنا بالذعر والكسل. الحكمةُ تقتضي أن تُجزئ حلمك الكبير إلى “أفعالٍ مجهرية” لا تستغرقُ أكثر من عشر دقائق. الإرادةُ لا تضعفُ أمام الخطوات الصغيرة، بل تنهارُ أمام الضبابية والتعقيد.
الخلاصة:
علينا ألا نكتفي بأن نكون “مثقفين نظريين” في شؤون حياتنا؛ نملكُ الخريطة ونفتقدُ شجاعة السير. إنَّ الوضوحَ الحقيقي هو الذي يظهرُ على أطراف أصابعنا ونحن نعمل، وليس في رؤوسنا ونحن نحلم.
فلنتحرك.. ففي حركتنا تنجلي الحقائق.