*المحور الثالث: توصيات ومقترحات:
🇲🇦 *الحلقة الرابعة عشرة : توصيات ومقترحات موجّهة للسلطات العمومية:
اعداد، المهندس عبدالله ايت شعيب
يوم السبت 31 يناير 2026.
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
إخوتي وأخواتي في ربوع الوطن وخارجه،
أهلنا الكرام في الصحراء المغربية،
وإخواننا في مخيمات تندوف،
بعد أن خُصِّصت الحلقة الثانية عشرة لوضع الإطار الفكري والاستراتيجي للتوصيات والمقترحات، والانتقال من مرحلة التشخيص والمساءلة إلى مرحلة البناء والاقتراح العملي، ثم خُصِّصت الحلقة الثالثة عشرة لورش محوري يتعلق بالتأطير التربوي والثقافي للشباب باعتباره الرهان المركزي في معركة الوعي والانتماء، يصبح من الضروري توسيع دائرة المسؤولية، والانتقال من مقاربة بناء الإنسان إلى مقاربة إصلاح المنظومة المؤسسية التي تحتضن هذا الإنسان وتؤطر حياته اليومية.
لقد بيّنت الحلقات السابقة أن النزعات الانفصالية لا تنمو في الفراغ، ولا تتغذّى فقط من الخطاب الخارجي المعادي، بل تجد أحيانًا بيئات نفسية واجتماعية مواتية حين يضعف التواصل بين المواطن والمؤسسات، أو حين يشعر بعض المواطنين بمسافة رمزية أو عملية بينهم وبين الدولة وممثليها.
ومن هنا، فإن تحصين الوعي الوطني لا يكتمل دون تحصين الثقة في الدولة، ولا يترسّخ الانتماء دون ممارسات مؤسساتية يومية تُجسّد العدالة والقرب والإنصاف.
وانطلاقًا من هذه الرؤية التكاملية، تُخصَّص هذه الحلقة الرابعة عشرة للمحور الثاني من التوصيات والمقترحات، والمتعلق بمسؤولية السلطات العمومية، المركزية والترابية، باعتبارها الفاعل المؤسسي الأول في تجسيد الدولة العادلة، وترسيخ سياسة القرب، وتحويل الخطاب الوطني إلى تجربة معيشة يشعر بها المواطن الصحراوي في تفاصيل حياته اليومية.
فإذا كانت المدرسة والأسرة والجمعيات تُشكّل مختبر بناء الوعي، فإن الإدارة والمؤسسات العمومية تُشكّل فضاء اختبار هذا الوعي وترسيخه في الواقع. ومن ثمّ، فإن نجاح أي استراتيجية وطنية لتحصين الوحدة الترابية يظل رهينًا بقدرة الدولة على كسب ثقة مواطنيها، وتحويل السلطة من مجرد جهاز تدبير إلى إطار حماية وإنصاف وشراكة.
وعليه، ستتناول هذه الحلقة جملة من التوصيات العملية الموجَّهة إلى السلطات العمومية، قصد تعزيز الثقة، وتقوية الحضور الإيجابي للدولة، وتجفيف منابع الإحساس بالاغتراب أو التهميش، بما يُسهم في تحصين الداخل الوطني، وترسيخ الانتماء الواعي، وإغلاق الثغرات التي قد تُستغل لتغذية النزعات الانفصالية.
*توصيات ومقترحات موجّهة للسلطات العمومية (المركزية والترابية):*
من خلال المعاشرة الميدانية، وما رافقها من نقاشات صريحة ومسؤولة مع عدد من أبناء الصحراء، تبيّن لي – بكل أسف – وجود شعور لدى فئة محدودة منهم، وأؤكد محدوديتها تفاديًا لأي تعميم غير دقيق، يتمثل في النظر إلى بعض السلطات العمومية ومسؤولي القطاعات الوزارية بالأقاليم الجنوبية باعتبارهم إدارة بعيدة عن هموم المواطن، أو غير مندمجة بما يكفي في محيطها الاجتماعي.
وهو شعور، وإن كان محدود الانتشار، فإنه يلتقي – من حيث لا يُقصد أحيانًا – مع الخطاب الذي تروّج له الأطروحات الانفصالية منذ عقود، والقائم على تصوير الدولة المغربية ككيان مستعمر غريب عن المجال الصحراوي.
ومهما كانت محدودية هذا الإحساس، ومهما تنوّعت أسبابه ودوافعه، فإنه يظل مقلقًا لما يحمله من أثر نفسي قد يُغذّي مشاعر الاغتراب، ويُضعف الإحساس بالانتماء الوطني، خاصة لدى فئات من الشباب.
ومن هنا تبرز ضرورة التعامل معه بحكمة ومسؤولية، لا عبر الخطابات الإنشائية أو المقاربات الزجرية، بل من خلال ممارسات يومية ملموسة، تُعزّز القرب والثقة، وتُجسّد حضور الدولة كإطار جامع، يشعر في ظله المواطن الصحراوي بأن الدولة تمثله، وأن السلطات هي لحمايته ومن أجله، وبأن المؤسسات وُجدت لخدمته والإنصات إليه، لا للتعامل معه من موقع المسافة أو الارتياب.
ومن هذا المنطلق، أوجّه نداءً صريحًا ومسؤولًا إلى جميع السلطات العمومية، الترابية والمركزية، وإلى مسؤولي القطاعات الوزارية، وكل من يتحمل سلطة القرار أو التأطير في الأقاليم الجنوبية:
انتبهوا… *فالدولة لا تُقاس فقط بالقوانين أو الميزانيات أو المشاريع، بل تُقاس بالشعور الذي تزرعه في نفوس مواطنيها.*
يجب أن يشعر المواطن الصحراوي أنه شريك فاعل وكامل الحقوق في الوطن، لا مجرد موضوع لتدبير أو إدارة، وأن تُمارس كل أنشطة السلطات والقطاعات العمومية – من خدمات وإدارة وتعليم – بما يحفظ كرامته، ويُرسخ شعوره بأنه مواطن كامل الحقوق والواجبات على حد سواء.
وينطبق الأمر بحساسية أكبر على رجال ونساء التعليم، الذين يُفترض فيهم أن يكونوا رسل الانتماء الوطني والفضيلة، لا مجرد موظفين، فكل شعور بالتقليل من قيمة التلميذ الصحراوي أو التعامل معه من منطق سلطة مفروضة، يُعيد إنتاج الانطباع السلبي في وجدان الأجيال، ويفتح الباب أمام نفوذ الخطاب الانفصالي.
إن الدولة التي تُريد تحصين وحدتها الترابية، مطالَبة أولًا بتحصين شعور أبنائها بالانتماء الوطني، فالوطن الذي يُحسّ بعدله ويُعامل أبناؤه بكرامة لا يحتاج إلى من يُقنِعهم بالحب أو الولاء، بل يُحسّونه في واقع حياتهم اليومية.
واجمالا، تتحمّل السلطات العمومية، باعتبارها ممثلة للدولة وحامية للنظام العام وضامنة للحقوق والحريات، مسؤولية محورية في ترسيخ الثقة بين المواطن والمؤسسات، وفي تفكيك أي تمثلات سلبية قد تُستثمر ضد الوحدة الوطنية.
وفي هذا الإطار، يُنتظر من السلطات العمومية، مركزية كانت أو ترابية، ما يلي:
• ترسيخ منطق دولة الحق والقانون في الممارسة اليومية، بما يجعل المواطن، وخاصة الشاب الصحراوي، يشعر بأن الإدارة في خدمته، وأن السلطة ليست أداة ضبط فقط، بل إطار حماية وإنصاف.
• تعزيز سياسة القرب والتواصل المؤسساتي المنتظم مع الساكنة، وعدم الاكتفاء بالتدخلات الموسمية أو الظرفية، لأن غياب التواصل يفتح المجال للتأويلات المغرضة والخطابات العدائية.
• السهر الصارم على احترام مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص في الولوج إلى الخدمات العمومية، وفرص الشغل، والاستفادة من البرامج الاجتماعية، بما يقطع مع أي إحساس بالإقصاء أو التمييز.
• محاربة كل مظاهر الريع واستغلال النفوذ، لأن الشعور بالظلم الاجتماعي يشكّل أحد أخطر مداخل الاختراق الفكري والنفسي للشباب.
• التنسيق الفعلي بين مختلف المصالح والقطاعات الوزارية بالأقاليم الجنوبية، لضمان انسجام السياسات العمومية، وعدم تضاربها أو تفريغها من بعدها الاجتماعي والإنساني.
• إدماج البعد الوقائي والفكري في مقاربة الأمن والاستقرار، لأن المقاربة الأمنية الصرفة، دون معالجة الأسباب العميقة، تظل قاصرة عن تحقيق الاستقرار المستدام.
إخوتي وأخواتي الأفاضل،
لقد بيّنت هذه الحلقة أن معركة تحصين الوحدة الوطنية لا تُحسم فقط في المدارس والجامعات، ولا في الخطاب السياسي أو الدبلوماسي، بل تُحسم كذلك – وربما أساسًا – في الممارسة اليومية للدولة ومؤسساتها، وفي قدرة السلطات العمومية على تجسيد العدالة والقرب والإنصاف في تُفاصيل حياة المواطن الصحراوي.
فالدولة التي تُريد مواطنين منتمين، مطالَبة بأن تكون دولة يشعر فيها المواطن بأنه محترَم، ومُصغى إليه، وشريك في القرار، لا مجرد موضوع للتدبير الإداري. وإن بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات ليس ترفًا سياسيًا، بل شرط وجودي لتحصين الداخل الوطني وتجفيف منابع النزعات الانفصالية من جذورها.
غير أن الدولة ليست إدارة مركزية فقط، ولا سلطة ترابية فحسب، بل هي أيضًا ديمقراطية محلية حية، ومجالس منتخبة تتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية مباشرة أمام المواطنين. فهذه المجالس هي الأقرب إلى نبض الساكنة، والأقدر على تحويل السياسات العمومية إلى مشاريع ملموسة، وعلى إدماج البعد الثقافي والهوياتي في التنمية المجالية.
ومن هنا، سننتقل في الحلقة الخامسة عشرة إلى محور مكمل لا يقل أهمية، يتعلق بالتوصيات والمقترحات الموجَّهة إلى المجالس المنتخبة، باعتبارها حلقة الوصل بين الدولة والمجتمع، والفضاء الطبيعي لترسيخ المواطنة التشاركية، وبناء الثقة المحلية، وتحويل التنمية إلى رافعة لترسيخ الانتماء الوطني الواعي.
إن تكامل أدوار السلطات العمومية والمجالس المنتخبة، إلى جانب المدرسة والأسرة والمجتمع المدني، هو السبيل الأنجع لبناء جبهة داخلية متماسكة، تجعل من الوحدة الوطنية قناعة راسخة في الوجدان، وسلوكًا يوميًا في الممارسة، ومشروعًا جماعيًا يتقاسمه الجميع.
وإلى الحلقة الخامسة عشرة، حيث نناقش دور المجالس المنتخبة في تحصين الوعي الوطني وترسيخ المواطنة المجالية، وفاءً للوطن، وتحملًا للأمانة التاريخية، واستشرافًا لمستقبل مغربي أكثر تماسكًا وعدلًا وثقة.
والله وليّ التوفيق والسداد.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.