
اعداد : المهندس عبدالله ايت شعيب.
🇲🇦🇲🇦 *نداء الضمير الوطني*:
*من المسؤول عن استمرار النزعات الانفصالية بعد خمسين سنة من استرجاع الأقاليم الجنوبية؟*🇲🇦🇲🇦
🇲🇦*الحلقة الثانية :
🇲🇦المحور الأول: همساتٌ أخويةٌ في آذانِ إخوانِنا في الصحراءِ…:🇲🇦*
*النداء الأول: نداء اليقظة والوعي 🇲🇦
ورزازات في يوم الثلاثاء 13 يناير2026.
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
في البداية، أسأل الله تعالى أن تجد هذه الهمسات الاخوية قلوبًا واعية، وعقولًا متبصّرة، وآذانًا صاغية، وأن تُقرأ لا بعين الخصومة، بل بروح الأخوّة، ولا بمنطق الاصطفاف، بل بمنطق المسؤولية المشتركة.
وقبل مساءلة المؤسسات والفاعلين والجهات التي تتحمّل، بشكل مباشر أو غير مباشر، مسؤولية التأطير وبناء الوعي لدى المواطن الصحراوي منذ المسيرة الخضراء إلى يومنا هذا، هذا السؤال المحوري :
*لماذا ما تزال النزعة الانفصالية تجد لها، إلى اليوم، موطئ قدم في وعي بعض أبنائنا، رغم مرور نصف قرن كامل على إشراف مؤسساتنا الوطنية على التربية والتكوين بالاقاليم الجنوبية المسترجعة؟،*
يظلّ من الواجب الأخلاقي والوطني أن نتوجّه بنداء صريح ومسؤول إلى المواطن الصحراوي، لا من موقع الاتهام أو الوصاية، بل من موقع الاعتراف والاحترام.
ورفعا لكل لبس، يجب التأكيد على أن المواطن الصحراوي ليس موضع شبهة في وطنيته، ولا مطالبًا بإثبات انتمائه في كل محطة، بل هو مكوّن أصيل من هذا الوطن، بتاريخِه، وثقافتِه، ولهجتِه، وذاكرتِه الجماعية، وخصوصيتِه الاجتماعية التي تُغني الهوية المغربية الجامعة.
فيامن ينزعجون من وجود تساؤلات، أو حيرة، أو حتى غضب لدى بعض أبناء الصحراء، اعلموا أن ذلك يظلّ تعبيرًا مشروعًا، لا يُحوّلهم إلى خصوم للوطن ولا يُسقط عنهم انتماءهم الوطني.
غير أن الخطورة تكمن حين يُدفع هذا الإحساس، عن وعي أو دون وعي، نحو قطيعة وجدانية مع الوطن، أو نحو تبنّي خطابات تُعمّق الانقسام وتُطيل أمد المعاناة والمعاداة، بما يخدم أجندات لا علاقة لها بمصلحة المواطن الصحراوي ولا بمستقبل أبنائه.
فالنقاش الوطني الجاد حول قضية الصحراء لا يمكن أن ينجح إلا إذا انطلق من احترام كرامة الإنسان الصحراوي، والإنصات الحقيقي لأسئلته وهواجسه، دون تبسيط أو استعلاء أو اختزال، مع التأكيد على أن الخلاف السياسي، مهما بلغ حدّه، لا ينبغي أن يتحول إلى شرخ إنساني أو عائلي، ولا إلى قطيعة مع وطن يظل، في نهاية المطاف، الإطار الطبيعي للأمن والكرامة والاستقرار.
وبناءً على ما سلف، ومن منطلق الصدق والمسؤولية، أجد نفسي مطالبًا بتوجيه نداءات أخوية مباشرة إلى أبناء الصحراء المحترمين، نداءات لا تصدر عن وصاية ولا عن تشكيك، بل عن حرص أخوي صادق على الإنسان، وعلى الوطن، وعلى المستقبل المشترك:
* النداء الأول: نداء اليقظة والوعي.
* النداء الثاني: نداء الذاكرة والإنصاف.
* النداء الثالث: نداء لمّ الشمل والمصالحة الإنسانية في إطار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
ونبدأ في هذه الحلقة الثانية بالنداء الأول: نداء اليقظة والوعي.
*** *النداء الأول: نداء اليقظة والوعي:*
أدعو أبناء الصحراء،
من داخل الوطن وخارجه، خاصة في مخيمات تيندوف ومن يحملون النزعة الانفصالية، إلى التحلّي بأقصى درجات اليقظة والوعي النقدي في مواجهة الحملات التضليلية الممنهجة التي تستهدف العقول والمشاعر معًا، وتسعى إلى تحويل القلق المشروع والألم الإنساني الحقيقي إلى قطيعة وجدانية مع الوطن، عبر تصوير الدولة المغربية – ظلمًا وبهتانًا – ك”عدو”، وكسلطة غريبة “محتلة” أو “مستعمِرة”، وهو الوصف ذاته الذي يروّجه الخطاب الانفصالي وخصوم الوحدة الترابية للمملكة منذ عقود، ويجب اجتثاثه من الوجدان لا إعادة إنتاجه، ولا تداوله تحت أي ذريعة كانت.
كما تعمل هذه الحملات، بوعي وتصميم، على طمس الحقائق التاريخية والوقائع الميدانية المرتبطة بالصحراء وسكانها، وتشويه مسارها الوطني، وقطع الصلة بين الإنسان الصحراوي وعمقه التاريخي والإجتماعي داخل الدولة المغربية، في محاولة لزعزعة الثقة، ومصادرة الذاكرة، وإرباك الوعي الجماعي.
فكونوا على يقين تام، بأن هذه الحملات لا تبحث عن مصلحة الصحراوي، ولا عن كرامته، ولا عن مستقبل أبنائه، بل توظّف معاناته كورقة ضغط سياسية، وتحول ألمه الإنساني إلى وقود لصراعات إقليمية لا تنتهي، لا يدفع ثمنها إلا الصحراوي نفسه: *تمزقًا أسريًا، وشتاتًا قبليًا، وضياعًا للأجيال.*
والوعي هنا لا يعني إنكار الواقع، ولا تبرير الاختلالات، بل يعني التمييز الواعي:
• بين النقد المسؤول، والتلاعب بالعواطف؛
• بين المطالبة المشروعة بالإنصاف، واستغلال المظلومية لأغراض انفصالية؛
• بين من يريد الإصلاح داخل الوطن، ومن يتغذّى على استمرار الأزمة ويعيش على إدامة الجرح.
فالنقد حق، والاحتجاج حق، والمطالبة بالعدالة الاجتماعية والكرامة حق، لا ينازع فيه أحد.
لكن تحويل هذه الحقوق المشروعة إلى تبنٍّ لخطابات تقسيمية وانفصالية لا يخدم الصحراوي، ولا يحمي كرامته، بل يخدم فقط من استثمر، وما زال يستثمر، في استمرار المعاناة، وفي تمزيق الأسر والقبائل الصحراوية، وفي إطالة أمد المأساة الإنسانية.
وفي هذا السياق، يحق لنا – بل يجب علينا – أن نطرح هذا السؤال بوضوح، وبعقل بارد:
*ما رأيكم، يا أهل الصحراء في مخيمات تيندوف ومن يحملون النزعة الانفصالية، في تصريح الرئيس الجزائري السيد عبد المجيد تبون، حين قال :*
*”أنا مع تفرير المصير تاع الصحراء الغربية نتاع الجمهورية الصحراوية ضيعنا فيها مال قارون.. أموال طائلة… des milliards de Dollars مشاوا…”؟*
نسأل بصدق:
• ماذا وصلكم من هذه الأموال الطائلة “المليارات” في مخيمات تيندوف؟
• أين هي آثارها في التعليم، والصحة، والبنية التحتية، وفرص العيش الكريم؟ فصور google ، التي لا تحابي أحدا، تفضح بجلاء حالة مخيماتكم التي لا نرضاها لكم. أدعو الجميع للاطلاع عليها لتدركوا البؤس الذي يعيش فيه إخواننا في مخيمات تيندوف.
• هل صُرفت هذه الأموال، التي أخذت من أموال الشعب الجزائري الذي لا ناقة له ولا جمل من استقلالكم او من عدمه، فعلًا من أجل كرامتكم، أم من أجل أجندات لا علاقة لها بمستقبلكم؟
• وهل يُعقل أن تُصرف “أموال قارون”، كما قيل، ويبقى الإنسان الصحراوي رهين الخيام، محرومًا من أبسط حقوقه، ممنوعًا من حرية التنقل، ومصادرًا في قراره، ومستعملًا كورقة تفاوض لا أكثر؟
الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن مال قارون لم يصرف لسواد عيونكم يا اهلنا في مخيمات تيندوف، بل صرف لأن الجزائر:
• تبحث عن منفذ استراتيجي على المحيط الأطلسي؛
• وتريد إشغال المغرب واستنزافه عن المطالبة بحقوقه التاريخية في الصحراء الشرقية؛
• كما لم تُخفِ، في عمق خطابها، رغبةً مزمنة في تصفية حسابات تاريخية تعود إلى حرب الرمال التي أسر فيها الجنيرال شنقريحة.
فهل يُعقل أن يدفع الصحراوي ثمن هذه الحسابات؟
وهل يُعقل أن يُختزل مصير أجيال كاملة من أبناء الصحراء في صراع لا ناقة لهم فيه ولا جمل؟
ومن هنا، فإن هذا النداء يتوجّه، بصدق وأخوة ومسؤولية تاريخية، إلى إخواننا في مخيمات تندوف، وإلى كل من تبنّى الطرح الانفصالي، عن قناعة أو عن تضليل أو عن يأس متراكم:
• عودوا إلى رشدكم.
• عودوا إلى صوت العقل، وإلى منطق التاريخ، وإلى نداء الدم والقرابة والرحم، الذي لا تلغيه الحدود ولا تمحوه الشعارات.
• عودوا إلى وطنكم ودولتكم، تلك التي يُراد تصويرها ظلمًا كعدو وكقوة احتلال أو استعمار، وهي في الحقيقة دولتكم أنتم، ووطنكم الذي لم يُغلق بابه يومًا في وجه أبنائه، ولا اشترط عليهم إذلالًا ولا تنازلًا عن كرامتهم.
ولعل من أبلغ نداء يمكن أن يوجه في هذا السياق للإخوة في مخيمات تيندوف هو الذي وجهه القيادي السابق في جبهة البوليساريو وسفيرها السابق بكل من ليبيا وسوريا، السيد نور الدين بلالي الإدريسي، حين خاطب إخوانه في مخيمات تندوف بصدق ومرارة قائلاً:
*” …آن لكم أن تُخرجوا أنفسهم بأنفسهم من المأساة التي تعانونها. فالحل بين أيديكم وليس بأيدي غيركم، إن الأمر يتطلب معركة حقوقية داخل مخيمات تيندوف، وعليكم أن تعرفوا بأن الحل لن ياتيكم فوق حصان أبيض يحملكم إلى العيون والسمارة والداخلة، أقول لكم من منطق الخبرة والعمل، إن معركتكم الحقيقية من أجل النماء والاستقرار والقطع مع أربعة عقود من الشتات (معركتكم) هنا في المغرب تحت خيمة الوحدة الوطنية، وأن الحلم بإنشاء جمهورية صحراوية جنوب المغرب هو ضرب من الخيال ولا يوجد إلا في أجندة من له المصلحة في استخدام الصحراويين لأغراض أخرى وليس من أجل القضية الصحراوية”*. (حوار مع جريدة “الصحراء المغربية” ، أبريل 2014.).
إن هذا النداء، بما يحمله من صدق التجربة وقسوة الاكتشاف، لا يقل أثرًا عن أي قرار أممي أو خطاب سياسي، لأنها تضع الإصبع على جوهر المأساة، ويؤكد أن العودة إلى الوطن ليست تنازلًا ولا هزيمة، بل استرجاعٌ لمكان طبيعي، ولمصير مشترك، ولممارسة حق إنساني أصيل في الانتماء والحماية والمواطنة الكاملة.
فالمغرب، بكل ما فيه من اختلالات قابلة للنقد والإصلاح، يظل الإطار الوطني الوحيد القادر على احتضانكم، وصون كرامتكم، وضمان حقوقكم، وفتح أفق آمن لمستقبلكم ومستقبل أبنائكم، في ظل دولة واحدة، وسيادة واحدة، ومصير مشترك.
إن الأوطان لا تُبنى بالقطيعة، ولا بالارتهان للخارج، ولا بتحويل الألم الإنساني إلى مشروع سياسي، بل تُبنى بالوعي، وبالنقد المسؤول، وبالإصلاح من الداخل، وبالإيمان العميق بأن المغرب، بكل أبنائه، أقوى بوحدته، وأصدق بتعدده، وأرسخ بوفاء أبنائه له.
أكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة. وموعدنا، بإذن الله، في الحلقة المقبلة مع النداء الثاني: *نداء الذاكرة والإنصاف.*
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
اخوكم عبدالله ايت شعيب.