مجهر الصحراء : كتاب الرأي .
الشباب والفاعلية الاجتماعية : حقوق وواجبات
بقلم : د . عبدالكريم بكار
يُطلب من الشباب كثيرًا أن يكونوا طموحين ومبدعين وفاعلين في مجتمعاتهم، لكنهم يجدون أحيانًا أن المساحة المتاحة لهم أضيق من حجم هذه المطالب. يُطلب منهم أن يفكروا، ثم يُستغرب منهم حين يفكرون بطريقة مختلفة، ويُطلب منهم أن يتحملوا المسؤولية، ثم تُتخذ كثير من القرارات التي تمس حياتهم من دون أن يكون لهم فيها صوت حقيقي.
وهنا تبدأ الفجوة بين ما نقوله للشباب وما نمارسه معهم.
الشاب لا يريد أن يُترك… ولا أن يُدار
ليس من الحكمة أن نترك الشاب وحده أمام تعقيدات الحياة، كما أنه ليس من الحكمة أن نحاول إدارة حياته نيابة عنه. الإنسان ينمو حين يجد من يرشده، لا من يفكر عنه، وحين يُتاح له أن يجرب ويخطئ ويتعلم، لا حين يُحمى من كل تجربة يمكن أن تكشف له شيئًا عن نفسه والحياة.
إن التوجيه الحقيقي لا يُضعف شخصية الشاب، بل يساعده على أن يقف على قدميه.
المشاركة ليست تنفيذًا فقط
حين نتحدث عن مشاركة الشباب، فإننا لا نعني أن نطلب منهم تنفيذ ما قرره الآخرون. المشاركة الحقيقية تبدأ حين يُستمع إليهم، ويُشركون في التفكير، ويُسمح لهم بأن يقدموا رؤيتهم، حتى لو لم تكن مكتملة.
فالشاب لا يملك خبرة من سبقه، لكنه يرى أشياء قد لا يراها من اعتاد النظر إلى العالم بالطريقة نفسها.
الحقوق تحتاج إلى مسؤولية
من حق الشاب أن يعبر عن رأيه، وأن يسعى إلى تحسين واقعه، وأن يشارك في الشأن العام. لكن الرأي يحتاج إلى معرفة، والرغبة في التغيير تحتاج إلى فهم، والتأثير يحتاج إلى مسؤولية.
ليس كل غضب وعيًا، وليس كل اعتراض إصلاحًا. وقد يكون أول واجبات الشاب الذي يريد أن يغير شيئًا أن يفهمه فهمًا جيدًا.
البداية من الداخل
لن يستطيع الشاب أن يكون فاعلًا في مجتمعه إذا لم يبدأ ببناء نفسه. القراءة، والتعلم، ومراجعة الأفكار، واكتساب الخبرات، والقدرة على الحوار مع المختلفين، كلها جزء من المسؤولية الاجتماعية.
فالتغيير الكبير لا يبدأ دائمًا من موقع كبير، بل قد يبدأ من إنسان قرر أن يفهم أكثر، وأن يحكم أقل، وأن يعمل بصبر.
حين يلتقي الشباب بالمجتمع
لا يحتاج المجتمع إلى شباب يكررون ما يقوله السابقون، كما لا يحتاج إلى شباب يرفضون كل ما سبقهم. إنه يحتاج إلى جيل يستفيد من الخبرة، لكنه لا يتوقف عن التفكير، ويحترم الماضي، لكنه يفهم تحديات الحاضر.
وحين يجد الشباب من يستمع إليهم، ويجد المجتمع في شبابه طاقة تستحق الثقة، يصبح الطريق إلى التغيير أقصر وأعمق.
فالشاب لا ينتظر أن يأتي المستقبل حتى يكون فاعلًا فيه؛ إنه يبدأ في صناعته منذ اللحظة التي يدرك فيها أن له حقًا في المشاركة، وواجبًا في أن يكون أهلًا لها .