ما وراء حرب “الاختبار” الإيرانية: خطاب ترامب الماكر وفخ الهندسة الجيوسياسية القسرية في الإقليم ودول الخليج.
بقلم: د. عبداللطيف مشرف أستاذ مشارك التاريخ السياسي بجامعة ماردين آرتوكلو.
لم يعد المشهد الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط بحاجة إلى مزيد من التكهنات أو إلقاء فرضيات مبهمة؛ إذ تكفّلت التطورات الأخيرة، وبخاصة الخطاب السياسي الأخير الصادر عن دونالد ترامب، بإماطة اللثام عن الأبعاد الحقيقية والعميقة لما يجري خلف الكواليس الإقليمية والدولية. إن قراءة استراتيجية متمعنة في تفاصيل هذا الخطاب “الماكر” تكشف بوضوح عن الغايات الكبرى الكامنة وراء التصعيد العسكري، وتفكك طبيعة الحرب الإسرائيلية-الأمريكية الموجهة ضد إيران، وتؤكد وتثبت بالدليل القاطع ما دأبنا مراراً وتكراراً على طرحه وتحذير المنطقة منه عبر وسائل الإعلام والمنصات التحليلية المختلفة، حيث بدأت تنكشف الأمور على حقيقتها الآن.
أولاً: حرب إيران كـ “اختبار عملي” ومدروس للمنطقة:
لقد تبين الآن بشكل لا يقبل الشك أن الحرب الإسرائيلية الأمريكية المشتركة ضد إيران لم تكن تستهدف إسقاط النظام أو تدميره تدميراً شاملاً كما يروج الإعلام السطحي، بل كانت عبارة عن “اختبار عملي ومحسوب بدقة” جرى تصميمه واستعراضه على مرأى ومسمع من دول الخليج العربي والمنطقة بأسرها. كان الهدف من وراء هذا الاختبار العملي هو تقديم برهان مرئي ومخيف للمنطقة يوضح “قوة الردع الإيراني”، ومدى قدرة نظام طهران على التحمل والمواجهة، مع تسليط الضوء عمداً على قدرته الفعلية في السيطرة على مضيق هرمز واستخدامه كأداة لخنق خطوط الملاحة، فضلاً عن إظهار كفاءته الصاروخية وبطائراته المسيرة في ضرب مصافي البترول والمنشآت النفطية الخارجية الحيوية.
هذا العرض العسكري والميداني العملي وُظّف بشكل تكتيكي دقيق لتهديد دول الخليج العربي في صميم أمنها الاستراتيجي، وجغرافيتها، وطاقتها، بل وحساباتها السياسية. ومن هنا تنكشف الخلفيات الحقيقية؛ حيث تعمدت واشنطن وتل أبيب إبراز هذه القدرات الإيرانية التدميرية لخلق حالة من الذعر الوجودي وتهديدهم أمنياً واستراتيجياً وجغرافياً وسيجغرافياً وطاقة وسياسياً، تجعل من خطر حرق المنطقة مقصلة مسلطة على عصب الاقتصاد والأمن الخليجي.
ثانياً: فخ الخيارات الثنائية.. التطبيع الإجباري أو الحرق الإيراني:
بناءً على هذه البيئة الأمنية المهتزة والمصنوعة بعناية، نجح ترامب والكيان الصهيوني في وضع منطقة الخليج العربي والمنطقة بأكملها بين خيارين لا ثالث لهما، وهو تطبيق صريح لسياسة الابتزاز وفرض الأمر الواقع:
الخيار الأول: البقاء تحت وطأة التهديد الإيراني المستمر، ومواجهة شبح خنق الممرات المائية الحيوية، وحرق مصافي النفط، وتعطيل خطوط وممرات الطاقة والممرات الاستراتيجية والتجارية العالمية، وما يترتب على ذلك من نسف للأمن السياسي والاقتصادي لدول الخليج تماماً وخنق المنطقة في أمنها وبترولها.
الخيار الثاني: الارتماء والوقوع الإجباري لكافة دول المنطقة تحت المظلة الأمنية للكيان الإسرائيلي، والقبول بـ “التطبيع الإجباري” وفرض اتفاقيات إبراهيم فرضاً كحتمية أمنية لا كخيار ديبلوماسي.
وقد تجلى مكر الخطاب الترامبي بوضوح عندما قام بتسمية دول الخليج ودول المنطقة بالاسم في خطابه، فارضاً معادلة واضحة: إما الخنق تحت الصواريخ الإيرانية، أو البقاء تحت المظلة الإسرائيلية بمكاسب اقتصادية وقوة ردع لإيران تحت قيادة إسرائيل.
ثالثاً: مفارقة “الأكسجين السياسي” لنظام الولي الفقيه:
ومن أعمق جوانب هذا المخطط الماكر، هو ما أنتجته هذه الحرب من دعاية مجانية ضخمة لنظام الولي الفقيه في طهران؛ فبدلاً من إضعافه، عملت هذه المواجهات على إعطائه “أكسجيناً سياسياً” عزز من ترابطه الداخلي وزاد من الالتفاف القومي والشعبي حوله في وقت كان يعاني فيه من ضغوط داخلية حادة.
إن الدعاية لقدرة إيران الردعية، وإظهارها بمظهر القوة القادرة على تهديد عروش الطاقة والأمن السياسي في الخليج، لم تكن خطأً استراتيجياً بل تكتيكاً مقصوداً لخنق المنطقة تماماً؛ فكلما بدت إيران أكثر قدرة على خنق الممرات وضرب البترول، كلما سيق الخليج مجبراً نحو “طوق النجاة” المفترض الذي تقدمه تل أبيب وواشنطن كخيار وحيد للأمن والردع تحت قيادة إسرائيل، وهنا ينكشف تماماً ما وراء هذه الحرب.
رابعاً: تنصيب إسرائيل قطباً إقليمياً أوحداً و”ناتو الشرق الأوسط“:
إن النهاية الحقيقية والمستهدفة لهذه الحرب تكمن في صياغة نظام إقليمي جديد يفضي إلى تنصيب إسرائيل على المنطقة كقطب إقليمي أوحد، أو إعادة تشكيل هندسة الأمن الجماعي عبر ما يُسمى “حلف ناتو الشرق أوسطي” تحت رعاية وقيادة إسرائيلية مباشرة.
هذه الهندسة الاستراتيجية تحقق عقيدة ترامب الأساسية (أمريكا أولاً) من خلال نقل عبء التكلفة العسكرية والمالية من كاهل الولايات المتحدة الأمريكية إلى كاهل الحلفاء في المنطقة. وبموجب هذا المخطط، تقوم إسرائيل بحماية نفسها بدلاً من عبء التكلفة على واشنطن، وتتولى قيادة المنظومة الأمنية برعاية وتمويل هؤلاء الحلفاء أنفسهم وبأموال وثروات الدول التي جرى ترويضها تحت وطأة البعبع الإيراني.
خامساً: خلاصة واستشراف:
في الختام، يتضح جلياً ما وراء حرب إيران وما خفي خلف سطور السياسة الأمريكية والصهيونية. إنها عملية هندسة قسرية لإجبار المنطقة على المقايضة بين وجودها وأمنها السياسي والاقتصادي، وبين السيادة الوطنية عبر بوابة التطبيع الإلزامي. لقد وضعت الأنظمة الخليجية اليوم أمام معضلة تاريخية؛ إذ يُطلب منها تسليم أوراق أمنها القومي لمن كان يتربص بها الدوائر، لقاء كبح جماح تهديد جرى تضخيمه واستعراضه بعناية في غرف العمليات المشتركة لواشنطن وتل أبيب لتنتهي الحرب بتسيد إسرائيل للمنطقة كقطب أوحد. هذا هو الواقع الذي حذرنا منه مراراً وتكراراً في وسائل الإعلام، وتثبت الأيام يوماً بعد يوم صحة هذه القراءة الاستراتيجية المعمقة.