المناخ : “النينيو الخارقة” 2026.. حين يسخن المحيط الهادئ فيشعل كوكب الأرض(*)
مجهر الصحراء : السمارة
*مقدمة :
كل سنتين إلى سبع سنوات، يقرر المحيط الهادئ أن يغير مزاجه، فيُصاب الكوكب كله بالحمى. هذه هي ظاهرة “النينيو”، لكن ما يترقبه العلماء في 2026 ليس نوبة عادية، بل ما يسمونه “النينيو الخارقة” Super El Niño. تقاطع خطير بين دورة مناخية طبيعية واحتباس حراري من صنع الإنسان، قد يدفع النظام المناخي إلى حدود لم نختبرها من قبل. السؤال لم يعد “هل ستعود؟”، بل “كم ستكون قوتها؟ وماذا ستفعل بمناخنا وخبزنا؟”.

أولاً: ما هي “النينيو الخارقة” ولماذا 2026 مختلفة؟
*1. التعريف العلمي المبسط
النينيو جزء من نظام “التذبذب الجنوبي ENSO”. في الوضع العادي، الرياح التجارية تدفع المياه الدافئة غرباً نحو آسيا، وتصعد مياه باردة من الأعماق قبالة بيرو. خلال النينيو، تضعف الرياح، فتتدفق المياه الدافئة شرقاً وتغمر وسط وشرق المحيط الهادئ. هذا “الخزان الحراري” يطلق كميات هائلة من الحرارة للغلاف الجوي، فيرفع متوسط حرارة الكوكب 0.1 إلى 0.2 درجة مئوية.
“الخارقة” تعني أن شذوذ حرارة سطح المحيط يتجاوز +2.5 درجة مئوية عن المعدل، كما حدث في 1982 و1997 و2015. النماذج الحالية تشير لاحتمال 60% لعودة النينيو بين ماي ويوليوز 2026، وقد تمتد آثارها إلى 2027.
*2. لماذا “خارقة” هذه المرة؟
النينيو لا يخلق حرارة جديدة، بل يعيد توزيع الموجود. المشكلة أن “الموجود” الآن أكبر بكثير. بسبب الغازات الدفيئة، المحيط خزن طاقة غير مسبوقة. النينيو 2026 سيعمل كمضخم حراري فوق كوكب ساخن أصلاً. النتيجة: كل ذروة جديدة تصبح نقطة انطلاق للذروة التالية. لهذا يتوقع علماء أن 2027 قد يصبح أحر عام مسجل في التاريخ.
ثانياً: التأثيرات العالمية المتوقعة.. إعادة برمجة الطقس
النينيو يعيد تشكيل الرياح والتيارات النفاثة، فتصاب أنماط المطر والضغط بخلل شامل:
*1. موجات حر وجفاف قاسية
تتوقع النماذج موجات حر قياسية عبر أمريكا الجنوبية، جنوب الولايات المتحدة، إفريقيا، أوروبا، أجزاء من الشرق الأوسط والهند وأستراليا. دول البحر الكاريبي، إندونيسيا، الفلبين، والبرازيل ستواجه موجات جفاف شديدة تهدد المحاصيل.
*2. فيضانات عارمة في مناطق أخرى
في المقابل، بيرو، الإكوادور، أجزاء من إفريقيا والشرق الأوسط، والسواحل الغربية للولايات المتحدة معرضة لأمطار غزيرة وفيضانات غير معتادة. الغلاف الجوي الأدفأ يحمل رطوبة أكثر، فتصبح الأمطار مدمرة.
*3. الأثر الاقتصادي: الغذاء والطاقة في مهب الريح
النينيو يضرب سلاسل الإمداد في الصميم. الجفاف والفيضانات تخفض الإنتاج الزراعي، بينما ارتفعت أسعار الأسمدة 30-40% بسبب الحرب. مع اعتماد نصف غذاء العالم على الأسمدة، أي اضطراب يتحول لأزمة تضخم غذائي عالمي. كما يتوقع انخفاض نشاط الأعاصير الأطلسية مقابل زيادتها في المحيط الهادئ، ما يهدد شرق آسيا وهاواي.
ثالثاً: وماذا عن المغرب؟ تأثير محدود لكنه ليس منعدماً

هنا يجب الحذر من التهويل. المديرية العامة للأرصاد الجوية تؤكد أن تأثير النينيو على المغرب يبقى *محدوداً نسبياً وغير مباشر*، والسبب أن مناخنا تتحكم فيه أنظمة إقليمية أقوى: التذبذب الشمالي الأطلسي، والتذبذب المتوسطي.
*1. التأثير حسب الفصول والمناطق
– الصيف : التأثير ضعيف جداً ويكاد يغيب، لأن الأنظمة الجوية المحلية هي المهيمنة.
– الربيع : التأثير أوضح نسبياً، خاصة في المناطق الجنوبية: العيون، الداخلة، ورزازات.
– الشتاء : تأثير النينيو يتراجع وتتقدم الأنماط الأطلسية.
– الشمال والوسط : التأثير ضعيف إلى منعدم.
*2. نوع النينيو
المغرب أصبح منذ 2000 أكثر تأثراً بالنمط “الوسطي” للنينيو مقارنة بالنمط “الشرقي”. وهذا يحدد شدة التأثير.
*3. الخلاصة للمغرب
النينيو قد يساهم في رفع درجات الحرارة بشكل غير مباشر، لكنه ليس العامل الحاسم. والدليل: بين 2020 و2024 عشنا جفافاً حاداً رغم سيطرة “اللانينيا” التي يفترض أن تجلب الأمطار. مناخنا معقد ولا تحدده ظاهرة واحدة.
*لكن هناك خطر غير مباشر : إذا ضربت النينيو الخارقة الإنتاج العالمي للحبوب والزيوت، فأسعار الغذاء في المغرب سترتفع حتى لو كان طقسنا معتدلاً. الأمن الغذائي عالمي.
رابعاً: هل نحن أمام عام الغليان الكبير؟
العلماء منقسمون: كارلو بونتيمبو من “كوبرنيكوس” يحذر أن 2026 قد يسحب البساط من 2024 كأحر عام. بينما يرى عالم المناخ تيدو سيميلر أن تأثير النينيو ليس فورياً، والخطر الأكبر على 2027. المنظمة العالمية للأرصاد الجوية تؤكد أن التنبؤات الآن أقل موثوقية بسبب “حاجز الربيع”.
*المؤكد : النينيو دورة طبيعية، لكن آثارها تزداد وضوحاً في عالم ساخن. كل حدث قوي جديد يرفع خط الأساس للحرارة.
*المطلوب عالمياً :
1. *أنظمة إنذار مبكر أقوى للزراعة والصحة والطاقة.
2. *مخزونات غذائية استراتيجية لمواجهة تقلب الأسعار.
3. *بنية تحتية متكيفة : سدود لتجميع مياه الفيضان، وشبكات ري لمواجهة الجفاف.
*المطلوب مغربياً :
1. *عدم الركون لفرضية “النينيو = جفاف” أو “اللانينيا = مطر”*. العلاقة ضعفت منذ السبعينات.
2. *تقوية الرصد المناخي الإقليمي* والتركيز على التذبذب الأطلسي والمتوسطي لأنهما الأهم لنا.
3. *ترشيد الماء والطاقة* كسياسة دائمة، بغض النظر عن النينيو. لأن الاحترار العام مستمر.
*خاتمة
“النينيو الخارقة” 2026 ليست نهاية العالم، لكنها جرس إنذار عالٍ. تذكرنا أن مناخ الأرض مترابط: حين يعطس المحيط الهادئ، يصاب العالم بالزكام. بالنسبة للمغرب، الخطر الأكبر ليس من سمائنا مباشرة، بل من ارتباك سماء الآخرين وانعكاسه على موائدنا وأسواقنا. الحل ليس في انتظار المطر، بل في بناء مناعة مناخية واقتصادية تجعلنا قادرين على الصمود، سواء جاءت النينيو أم لم تأت. فالمناخ لم يعد يتقلب فقط، بل يغلي.
(*) مقال مأخوذ عن الذكاء الاصطناعي .