المشكلة الإيمانية
د. عبد الكريم بكار
هل شعرت يوماً بأنَّ أثقل حملٍ تحمله ليس مسؤولياتك ولا عملك، بل هو (نفسك)؟ تلك النفس التي لا تكف عن القلق، وتستحضر مخاوف الغد قبل أن تغادر أعباء الأمس، وتطارد سراب ‘الكمال’ في عالمٍ مجبولٍ على النقص؟”
إنَّ هذا الثقل الذي تشعر به ليس سوى نتيجة لـ (تشتت الوجهة). نحن نرهق أرواحنا حين نجعل “الدنيا” هي المبتدأ والمنتهى، وحين ننسى أنَّ القلق المفرط هو في جوهره نوع من “منازعة القدر”.
إنَّ النفس تضيق وتثقل كلما توهمت أنها هي المدبرة لشؤونها، وكلما غفلت عن أنَّ هناك (رباً قيُّوماً) لا ينام، يتولى حركة الأفلاك كما يتولى نبضات قلبك الصغير.
المشكلة الإيمانية تكمن في (ضعف الافتقار)؛ فنحن نعتمد على “حولنا وقوتنا” المحدودة، وننسى أنَّ العبد يجد راحته الكبرى حين يُلقي بأحماله في “محراب التفويض”.
إنَّ مطاردة الكمال في الدنيا هي معركة خاسرة؛ لأن الله خلقها “دار ممر” لا “دار مستقر”، وجعل النقص فيها دليلاً يقودنا إلى كماله هو سبحانه.
خارطة اليقين: كيف نُرمم شتات الروح؟
1. مقام “التفويض المطلق“:
حين يتسلل الخوف من الغد إلى قلبك، ردد بيقين: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾. التفويض ليس عجزاً، بل هو “قمة الذكاء الإيماني”؛ أن تنقل ملفات قلقك من تدبيرك القاصر إلى تدبير الخالق الواسع. عندها فقط، تنزل السكينة التي لا تفسرها الأرقام ولا المعطيات المادية.
2. الرضا بـ “مقسوم الحكيم“:
رزقك ليس ما في جيبك فحسب، بل هو “الرضا” الذي يسكن صدرك. الله قسم المعايش بحكمة بالغة؛ فمن نال الرضا فقد ملك الدنيا بحذافيرها. تذكر أنَّ ما فاتك لم يكن ليصيبك، وأنَّ ما أصابك هو عين الخير لك وإن بدا في ثوب “المنع”، فالله يمنع ليعطي، ويبتلي ليرفع.
3. استحضار “الرعاية الربانية” في التفاصيل:
تأمل في حياتك؛ كم من أزمةٍ ظننتها القاضية فجعل الله فيها المخرج؟ وكم من همٍّ أرق مضجعك ثم تلاشى بكلمة “يا رب”؟ إنَّ استحضار (لطف الله الخفي) يذيب ثقل النفس، ويجعلك تدرك أنك لست وحدك، وأنَّ عينه ترعاك حتى وأنت في غفلتك.
ومضة ختامية:
“لن يهدأ روعك بكثرة التفكير، ولن يطمئن قلبك بجمع الحطام؛ بل يهدأ حين تضع رأسك في السجود وتهمس: ‘رضيتُ بالله رباً’. عندها، ستشعر أنَّ ذلك الحِمل الثقيل قد تبدد، لأنك أخيراً وضعت نفسك في مكانها الصحيح.. بين يدي خالقها.”
وقفة للوعي:
“راجع ‘قائمة قلقك’ اليوم.. كم منها بيد الله وكم منها بيدك؟ ستكتشف أنَّ 100% منها تحت ملكه وتدبيره. فلماذا تُرهق نفسك فيما كفاك الله أمره؟”