ما جرى بجلسة مجلس النواب أمس الاثنين فاتح دجنبر 2025 يكشف هشاشة الخطاب الحكومي؛ فعبارة الوزير”بيان مجلس قيادة الثورة” لم تكن مجرد انفعال؛ بل دلت على توتر داخلي ناتج عن ضغط الملف وحجم الاعتراضات على المشروع ـ التي عبر عنها العدول ـ، مع غياب الحجة التشريعية المقنعة، ما دفع الوزير نحو المناكفة بدل النقاش المؤسَّس على النصوص والحجج، فضلا عما ظهر من ارتباك في إدارة الحوار داخل مؤسسة يفترض فيها التجرد والانضباط..
لقد أظهر سلوك الوزير أن الحكومة لم تُحكم تسويق مشروعها ولم تبنِ له شرعية خطابية مقنعة، مما حمله على إهانة المؤسسة وتقليل الاحترام الواجب للنواب بعدما تجاوز المضمون التشريعي للسؤال، واعتمد خطابا حادا بدل الإجابة على السؤال بما لديه من معطيات؛ الأمر الذي بين أنه غير مقتنع دستورياً وتقنياً بصلابة النص.
فإذا كان الوزير نفسه لم يستطع الرد بما يناسب وتقديم جواب هادئ، فهل المشروع فعلاً مُحصّن؟ الجواب طبعا هو النفي، وعليه فمشروعٌ تنكشف يوما بعد يوم ثغراته يحتاج إلى مراجعة جدية، وإعادة صياغة على نحو يعالج ما نتج عن تسويف الإصلاح، وعن مطب القطع واللصق الذي بدا بيِّنا في كثير من مواده…
إن حماية المهنة جزء من حماية الأمن التعاقدي الوطني التي لا تتم إلا بتقنين ضمانات استقلال المهنة في إطار المسؤولية، والعناية البالغة بالعناصر الجوهرية في صياغة المشروع وعلى رأسها ترقية أدوار هيئة العدول، وإعادة التوازن بين التدبير الإداري والإشراف القضائي، وتقليص الطابع الجنائي، لأن تحويل الأخطاء المهنية إلى جرائم يتناقض مع فلسفة قانون المهن الحرة، ثم إن النزعة الزجرية المبالغ فيها ستفقد المهنة جاذبيتها.
الإصلاح الذي يطالب به العدول منذ زمن ليس تجميليا، بل يمسّ الجوهر الذي سيحدد مستقبل المهنة لعقود انسجاما مع المتغيرات المجتمعية ومكتسبات التكوين والكفاءة العلمية، لكن مع الأسف المشروع الحالي يعيد إنتاج نفس الإشكالات التي عانى منها العدول لعقود، وعلى رأسها إثقال القضاء بمهام إضافية تنتج عنها سلوكات غير عملية.
إن المطلوب تقوية مركز أجهزة الهيئة بما يعزز الحكامة الداخلية ويخفف الضغط عن القضاء. وإن تمت إحالة النص على لجنة التشريع فمن مسؤولية النواب النقاش الهادئ داخل اللجنة لتدارك الفراغات التي صبغت المشروع.