نحو بناء إعلام مواطن ومستقل
مجهر الصحراء : لشكر عبدالله.
في زمن يصبح فيه الخبر سلاحاً والمعلومة عملةً، لم يعد المواطن مجرد متلقٍّ سلبي. إمّا أن يصنع إعلامه بيده، وإمّا أن تُصنع به الحكاية. بين مطرقة الإعلام الموجّه وسندان الإشاعة الرقمية، يولد سؤال واحد : كيف نبني إعلاماً مواطناً ومستقلاً لا يبيع صوته، ولا يخون عقله؟_
1 – لماذا “إعلام المواطن” اليوم ضرورة لا ترف ؟
المنظومة الإعلامية التقليدية في المغرب، وخصوصاً في الأقاليم الجنوبية، عاشت طويلاً على معادلة : مراسل واحد + وكالة رسمية + صفحات محلية. والنتيجة كانت فراغاً معلوماتياً تملأه الإشاعة والرواية المضادة.
ظهور الهاتف الذكي والأنترنت جعل كل مواطن في السمارة او العيون أو الداخلة يملك استوديو تصوير وصحيفة ومحطة بث في جيبه. لكن الكثرة وحدها لا تصنع المصداقية.
إعلام المواطن هو محاولة لتأطير هذه الطاقة : تحويل المشاركة العشوائية إلى صحافة ميدانية مسؤولة تراقب، توثق، وتسائل، بلا تبعية لحزب أو قبيلة أو ممول.
2 – ما معنى “مستقل” في سياق الإعلام المحلي ؟
الاستقلالية هنا لا تعني الحياد الأبله ولا المعارضة من أجل المعارضة. معناها ثلاثي :
* الاستقلال عن التمويل المشبوه : لا تمويل من لوبيات تهريب، ولا من أطراف خارجية هدفها ضرب استقرار المنطقة.
* الاستقلال عن الخوف : القدرة على قول “المستشفى ناقص” دون أن تُتهم بالخيانة، والقدرة على قول “المشروع أنجز” دون أن تُتهم بالتطبيل.
* الاستقلال عن القطيع الرقمي : عدم الانسياق وراء “الترند” والسبق الزائف على حساب التحقق.
* الاستقلالية الحقيقية هي أن يكون ولاؤك الوحيد للحقيقة، حتى لو أغضبت الجميع.
3 – ركائز البناء : من أين نبدأ ؟
إن بناء إعلام مواطن ومستقل لا يتم بالشعارات , لكن يحتاج لبنية تحتية بشرية وتقنية وأخلاقية :
* التكوين : السلاح ضد التضليل :
الحاجة ماسة إلى ورشات تكوين عملية في :
– مجال التحقق من الصور والفيديو : اكتشاف الصورة والفيديو حقيقة.
– كتابة الخبر : تعلم الفرق بين الخبر والرأي والإعلان.
– أخلاقيات المهنة : التدقيق من خلال احترام الخصوصية، عدم التشهير وحماية المصادر.
يتم برمجة ورشات من قبل وزارة الشباب والثقافة والتواصل ، الجامعات، وجمعيات المجتمع المدني على مستوى الجهات.
* المنصة : فضاء آمن للنشر :
إعلام المواطن يموت عندما ينشر ضمن صفحة فيسبوك شخصية وتضيع وسط 500 منشور , لذا الحاجة ماسة إلى منصات جهوية رقمية مفتوحة، مدعومة قانونياً وتقنياً، تشتغل كـ”وكالة أنباء مواطنة”.
المنصة تضمن : التحقق الأولي، النشر بأسماء حقيقية مع إمكانية الرد من الطرف الآخر.
* الحماية القانونية :
القانون 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر أعطى إطارا للعمل حتى يحس المواطن الصحفي بالأمان ، لكن التطبيق على الأرض هو المشكل.
– الحل : توقيع ميثاق شرف جهوي بين السلطات والمجتمع المدني والصحفيين المواطنين يوضح الخطوط الحمراء والحماية القانونية.
4 – التحديات :
هناك ثلاثة تحديات:
– إغراء التمويل : عندما تعرض جهة ما تمويل ب5000 درهم مقابل “مقال تواصلي او اشهاري”، هنا تسقط المهنية .
– القبلية والإصطفاف : صعب الكتابة على ابن القبيلة بموضوعية ، والحل هو تشجيع الصحافة الجماعية والتحرير الجماعي.
– غياب الثقة : كي يصدقك المواطن ، عليك تحرير مقالات بلا خطأ واحد ، فمجرد خطأ واحد تعود إلى للصفر.
5 – النتيجة المنتظرة: إعلام يخدم السيادة
بناء إعلام مواطن ومستقل يكون عضدا للدولة. من مميزاته :
– كشف الخلل قبل أن يستغله الخصوم إعلامياً.
– توثيق التنمية بالأرقام والصور، وتعطي للمستثمر سبباً للإستثمار.
– يبني الثقة بين المواطن والإدارة بصوت مسموع.
المعادلة بسيطة : كلما كان الإعلام المحلي مهنياً وموثوقاً، قلّت مساحة الرواية المضادة.
خاتمة :
بناء إعلام مواطن ومستقل ليس مشروعاً إعلامياً فقط ، بل مشروعا سياديا .
ومنعطف الإعلام الوطني يجب ان ينبني على القدرة على رواية الواقع بلغة مهنية، وبأدلة لا تُدحض.