مجهر الصحراء : كتاب الرأي
المجلس الوطني للصحافة المقبل.. منطق التمثيلية قبل منطق التجييش ، العميد حسن المولوع
أمام أعضاء اللجنة المؤقتة المحدثة بموجب المادة 96 من القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة تحديات كبرى، لأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى قدر كبير من الاجتهاد حتى لا تتحول عملية تشكيل المجلس الجديد إلى مجرد إعادة إنتاج للتجربة السابقة بأسماء جديدة.. ومن حسن الحظ أن ضمن تشكيلة اللجنة قاضيا يعرف جيدا معنى الاجتهاد وضوابطه، وهي مسألة ستكون حاسمة في قراءة النص القانوني وتفسير ما سكت عنه المشرّع..
فالقانون، رغم تعديله، تحدث عن شروط تقنية للترشح لعضوية المجلس، غير أن الإشكال الحقيقي يتجاوز استيفاء الشروط الشكلية. فنحن أمام مؤسسة يفترض أن تمثل الجسم الصحفي بكل تنوعاته، وبالتالي فإن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: كيف نضمن تمثيلية حقيقية للقطاع داخل المجلس؟
في تقديري، لا ينبغي التعامل مع ملفات الترشيح بمنطق كل من استوفى الشروط التقنية يدخل السباق الانتخابي، ثم نترك الأمر لمنطق الكتلة الانتخابية والتجييش والولاءات والصداقات..فالمجلس الوطني للصحافة مؤسسة مهنية لها طبيعة خاصة، ولا ينبغي أن تتحول انتخاباتها إلى نسخة مصغرة من الانتخابات التشريعية أو الجماعية، حيث تصبح العلاقات الشخصية والقدرة على حشد الأصوات أحيانا أهم من الخبرة والكفاءة والتمثيلية..
الصحافي الذي يترشح لعضوية المجلس يجب أن يحمل معه جزءا من صورة القطاع الذي يريد تمثيله. فمثلا، قطاع السمعي البصري، بما يضمه من إذاعات وقنوات تلفزية، يحتاج إلى تمثيلية مهنية حقيقية داخل المجلس، عبر صحافية أو صحافي يمتلك تجربة ومعرفة دقيقة بخصوصيات هذا القطاع. والصحافة الإلكترونية تحتاج إلى من يعرف تحدياتها اليومية وتحولاتها السريعة. والصحافة المكتوبة كذلك تحتاج إلى من يفهم واقعها وأزماتها وأسئلة مستقبلها. كما أن شركات الإنتاج التي يعمل فيها عدد مهم من الصحافيين تحتاج إلى صوت داخل المؤسسة التي يفترض أن تنظم القطاع.
وهناك أيضا فئة أخرى كثيرا ما يتم نسيانها عندما نتحدث عن الصحافة، وهي الصحافيون العاملون في المؤسسات والوكالات الإعلامية الكبرى. فوكالة المغرب العربي للأنباء، مثلا، ليست مجرد مؤسسة إعلامية وطنية، وإنما تضم صحافيين يعملون داخل المغرب وخارجه، ومن بينهم من يشتغل في مكاتب دولية، وهؤلاء لهم خصوصيات مهنية وتجارب مختلفة تستحق أن تجد من يعبر عنها داخل المجلس.
وحتى الجانب الاجتماعي يجب أن يجد مكانه في هذه المعادلة. فلماذا لا يكون ضمن أعضاء المجلس صحافي أو صحافية له تجربة في تدبير الخدمات الاجتماعية أو جمعيات الأعمال الاجتماعية، ويعرف عن قرب مشاكل الصحافيين المتعلقة بالتغطية الاجتماعية والتقاعد والتكوين والدعم والخدمات المهنية؟ فالمجلس الذي يريد أن يكون مؤسسة قوية يحتاج إلى أعضاء يعرفون الملفات التي سيتعاملون معها، لا إلى أعضاء يجيدون فقط إدارة الحملات الانتخابية.
التمثيلية هنا ليست امتيازا لفئة على حساب أخرى، وإنما وسيلة لضمان أن يكون المجلس مرآة حقيقية للجسم الصحفي. وكلما اتسعت دائرة التمثيلية، أصبح القرار أكثر توازنا، وأصبحت المؤسسة أكثر قدرة على فهم القطاع بكل تعقيداته.
والأخطر أن تتحول انتخابات المجلس إلى معركة لتجميع الكتل الانتخابية.. عندها سنكون أمام مجلس تشكل بمنطق الولاءات، ثم نطالبه بعد ذلك بالاستقلالية والحياد والحكامة. فهذه معادلة مختلة منذ البداية.. فالمطلوب هو انتخابات مهنية تنافسية، يكون فيها معيار الاختيار هو الكفاءة والخبرة والقدرة على تمثيل فئات القطاع والدفاع عن استقلالية المهنة.
ثم إن فلسفة المجلس الوطني للصحافة نفسها تحتاج إلى مراجعة عميقة. فاختزال دوره في تنظيم القطاع وتسليم بطائق الصحافة جعل البطاقة المهنية، في التجربة السابقة، تبدو أحيانا وكأنها الغاية الكبرى من وجود المؤسسة، بينما هي في الحقيقة واحدة من وظائفها فقط.
المجلس المقبل يجب أن ينظر إلى الصحافة باعتبارها مؤسسة مجتمعية وقوة وطنية. فالمشهد الإعلامي تغير جذريا، وتداخلت فيه الصحافة الرقمية والسمعي البصري والإعلام الدولي ومنصات التواصل الاجتماعي والإنتاج الصحفي العابر للحدود. لذلك لا يمكن للمجلس أن يظل أسير تصور إداري ضيق للمهنة.
هناك أيضا ضرورة للتعامل بواقعية مع خصوصيات المؤسسات الإعلامية المختلفة. فوكالة المغرب العربي للأنباء لها منظومتها المهنية وميثاقها الأخلاقي الداخلي، والقطاع السمعي البصري يخضع كذلك لمنظومة تنظيمية خاصة، من بينها اختصاصات الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري. لذلك ينبغي أن تكون فلسفة المجلس شاملة، تنسق وتوحد القيم المهنية وتدافع عن أخلاقيات الصحافة واستقلاليتها، مع احترام الاختصاصات القانونية للمؤسسات والهيئات الأخرى.
المجلس الوطني للصحافة المقبل يجب أن يفكر أيضا خارج الحدود. فالمغرب اليوم يخوض معارك إعلامية متواصلة، والصورة التي يقدمها عن نفسه في الخارج أصبحت جزءا من معركة الدبلوماسية الحديثة. فالإعلام يمكن أن يكون قوة ناعمة، ويمكن أن يكون أداة للدفاع عن المصالح الوطنية عندما يكون مهنيا وقويا وقادرا على الوصول إلى الرأي العام الدولي.
ولهذا، فإن المجلس المقبل مطالب ببناء شراكات حقيقية مع مجالس وهيئات الصحافة في الدول الأخرى، وتبادل الخبرات، وتشجيع المقاولات الإعلامية المغربية على الحضور خارج المغرب، وفتح مكاتب واعتماد مراسلين في عدد من الدول، وتأهيل صحافيين قادرين على الاشتغال بلغات متعددة وعلى فهم البيئات الإعلامية والسياسية الدولية.
أما فئة الناشرين، فعليها أن تتحمل بدورها مسؤوليتها في إنجاح التجربة المقبلة. وإذا كان الانتداب يفرض ممثلين عن الناشرين، فإن التمثيلية ينبغي أن تراعي تنوع المقاولات الصحافية: الصحافة المكتوبة، والصحافة الإلكترونية، والمقاولات المتوسطة والصغرى، لأن اختزال الناشرين في فئة واحدة سيعيد إنتاج اختلالات التمثيلية نفسها.
نحن أمام فرصة لإعادة بناء الثقة داخل الجسم الصحفي. وهذه الفرصة لن تتحقق عبر توزيع المقاعد، ولا عبر الحسابات الانتخابية الضيقة، ولا عبر البحث عن أكبر عدد من الأصوات. فالمطلوب مجلس يعرف أن مهمته أكبر بكثير من إصدار البطائق، مجلس يدافع عن المهنة، ويؤهل الصحافيين، ويحمي أخلاقيات المهنة، ويفتح الأبواب أمام التعاون الدولي، ويقوي الصحافة الجهوية والمحلية، ويساهم في بناء إعلام وطني قادر على مواجهة تحديات المرحلة.
إن نجاح المجلس الوطني للصحافة المقبل سيبدأ من لحظة اختيار أعضائه. فإذا كانت البداية قائمة على التمثيلية والكفاءة والخبرة والاستقلالية، يمكن أن ننتظر مؤسسة قوية. أما إذا تحولت العملية إلى مجرد سباق انتخابي تحكمه الصداقات والولاءات والتجييش، فسنكون قد غيرنا الوجوه وأبقينا على المرض نفسه.
هذه لحظة لا تحتمل الحسابات الصغيرة. فالصحافة المغربية تحتاج إلى مجلس يفكر في مستقبلها، لا في امتيازات أعضائه؛ مجلس يجعل من التنظيم الذاتي وسيلة لتقوية المهنة، لا غاية في حد ذاتها؛ ومجلس يدرك أن قوة المغرب الإعلامية جزء من قوته الوطنية، وأن بناء صحافة قوية ومستقلة ومهنية هو في النهاية دفاع عن حق المواطن وعن صورة البلاد وعن مستقبل السلطة الرابعة.