🇲🇦🇲🇦 *نداء الضمير الوطني: من المسؤول عن استمرار النزعات الانفصالية بعد خمسين سنة من استرجاع الأقاليم الجنوبية؟
اعداد، المهندس عبدالله ايت شعيب.
*المحور الثالث: توصيات ومقترحات:*
🇲🇦 *الحلقة الثالثة عشرة : أولًا: توصيات ومقترحات خاصة بمجال التأطير التربوي والثقافي للشباب:
يوم السبت 31 يناير 2026.
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
إخوتي وأخواتي الأفاضل في ربوع الوطن وخارجه،
أهلنا الكرام في الصحراء المغربية،
إخواننا في مخيمات تندوف،
بعد أن خُصِّصت الحلقة الثانية عشرة لتحديد فلسفة التوصيات والمقترحات، وبيان أهدافها الاستراتيجية، والانتقال المنهجي من مرحلة التشخيص والمساءلة إلى مرحلة البناء والاقتراح العملي، يصبح من الضروري الانتقال إلى تفصيل هذه التوصيات وفق محاور محددة، تُخاطب كل فاعل من موقع مسؤوليته ودوره.
لقد أكدت الحلقة السابقة أن معركة الصحراء لم تعد تُختزل في الدبلوماسية والاعترافات الدولية، بل تُحسم أساسًا في معركة الوعي والانتماء، وفي قدرة الدولة والمجتمع على بناء إنسان واثق بوطنه، واعٍ بتاريخه، ومحصَّن ضد السرديات الانفصالية.
ومن هنا، فإن المدخل الحقيقي لأي استراتيجية وطنية ناجحة يبدأ من الإنسان، ويُؤسَّس في المدرسة، والأسرة، والمسجد، والجامعة، والفضاء الثقافي والإعلامي.
وانطلاقًا من هذه القناعة، تُخصَّص هذه الحلقة الثالثة عشرة للمحور الأول من التوصيات العملية، والمتعلق بمجال التأطير التربوي والثقافي للشباب، باعتباره الرهان المركزي في معركة تحصين الداخل الوطني. فالشباب ليس فقط موضوع السياسات العمومية، بل هو الفاعل الرئيسي في صياغة مستقبل الوطن، وهو كذلك الفئة الأكثر عرضة للاستقطاب الإيديولوجي إذا تُركت دون تأطير معرفي ونفسي وثقافي عميق.
إن هذه الحلقة لا تطرح توصيات نظرية أو شعارات عامة، بل تسعى إلى اقتراح مقاربات عملية قابلة للتنزيل، تنطلق من المدرسة والجامعة والنسيج الجمعوي والأسرة والفضاء الرقمي، بهدف بناء وعي وطني نقدي، وترسيخ الانتماء الواعي، ومحاصرة النزعات الانفصالية في مهدها، قبل أن تتحول إلى قناعات راسخة أو ممارسات اجتماعية.
وبذلك، ننتقل في هذه الحلقة من الإطار العام للتوصيات إلى أول ورش تنفيذي ملموس، هو ورش بناء الإنسان الصحراوي والشباب المغربي عمومًا، باعتباره الأساس الصلب لكل انتصار دبلوماسي أو تنموي أو سياسي مستقبلي.
وعليه، فإن هذه التوصيات تُوجَّه إلى جميع الفاعلين، دون استثناء، كلٌّ من موقعه ومسؤوليته، بروح وطنية صادقة، وبقناعة راسخة بأن الوحدة الوطنية ليست معطًى نهائيًا يُسلَّم به، بل بناءٌ دائم يتطلب اليقظة، والعمل، والتجديد المستمر:
*أولًا: توصيات ومقترحات خاصة بمجال التأطير التربوي والثقافي للشباب :*
لتحقيق هدفنا المنشود (تحصين الشباب، وبناء الوعي الوطني الرصين، ومحاصرة النزعات الانفصالية)، يصبح تأطير المواطن الصحراوي، خاصة منه الشباب، داخل المساجد والمؤسسات التعليمية والجامعات والمعاهد، وداخل النسيج الجمعوي، أولوية وطنية واستراتيجية لا تحتمل التأجيل. تأطيرٌ يتجاوز المقاربات التقليدية والخطابات الجاهزة، ويعتمد أساليب عملية وتفاعلية، من بينها:
• مراجعة مضامين المناهج والبرامج التربوية، خاصة في مواد التاريخ، والتربية على المواطنة، والتربية الإسلامية، بما يضمن تقديم قضية الصحراء المغربية في بعدها التاريخي، والإنساني، والقانوني، والحضاري، بعيدًا عن التبسيط المخل أو الطرح المناسباتي، وبأسلوب يُنمّي التفكير النقدي والاعتزاز الواعي بالانتماء الوطني.
• تكوين وتأهيل الأطر التربوية والأساتذة والمشرفين الاجتماعيين، ليس فقط معرفيًا، بل نفسيًا وتواصليًا، لتمكينهم من فهم خصوصيات أهل الصحراء وخاصة منهم الشباب الصحراوي، واستيعاب أسئلته وهواجسه الهوياتية، والتعامل معها بحكمة تربوية، لا بمنطق الزجر أو التلقين.
• إحداث فضاءات دائمة للحوار داخل المؤسسات التعليمية (نوادي فكرية، منتديات شبابية، حلقات نقاش، منصات رقمية…)، تُناقَش فيها قضايا الهوية، والانتماء، والتاريخ المشترك، والتنوع الثقافي، في مناخ آمن ومنفتح، يقطع الطريق على الخطابات السرية والمنتديات المغلقة التي تستثمر في الغموض والاحتقان.
• الاعتماد على الوسائط الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي، عبر إنتاج محتوى وطني جذاب، موجه للشباب بلغتهم وأساليبهم، يُبرز قصص النجاح، والنماذج الملهمة من أبناء الأقاليم الجنوبية، ويُفكك الخطاب الانفصالي بالحجة والمعرفة، لا بالمنع والتخويف.
• ربط التأطير بالتمكين الاقتصادي والاجتماعي، لأن الشعور بالانتماء لا ينفصل عن الإحساس بالكرامة والفرص. فالشباب الذي يشعر بالتهميش أو انسداد الأفق يكون أكثر قابلية للاختراق الفكري، مهما كان الخطاب الوطني قويًا.
• إشراك الفاعلين المحليين ذوي المصداقية، من شيوخ القبائل، والأعيان، والعائدين من مخيمات تيندوف، والمثقفين، والفنانين، والرياضيين، وأبناء المنطقة الناجحين داخل الوطن وخارجه، في عمليات التأطير والتوجيه، لما لهم من تأثير رمزي ومعنوي عميق لدى الشباب.
• تنظيم زيارات ميدانية مؤطرة للمؤسسات الوطنية الكبرى (البرلمان، المتاحف الوطنية، مواقع الذاكرة التاريخية، المشاريع الاستراتيجية الكبرى)، لربط الشباب عمليًا بمؤسسات الدولة، وتحويل الوطن من مفهوم مجرد إلى تجربة معاشة.
• إشراك الأسر بشكل مباشر في العملية التأطيرية، عبر برامج تحسيسية وتكوينية، لأن المدرسة والجمعية لا يمكنهما تعويض الأسرة، بل التكامل معها في بناء منظومة قيم متماسكة.
• تنظيم برامج منتظمة لتبادل الزيارات بين تلاميذ وطلبة الأقاليم الجنوبية ونظرائهم في مدن وسط وشمال المغرب، بما يسمح ببناء معرفة متبادلة، وكسر الصور النمطية، وتعميق الإحساس بوحدة الوطن والمصير؛
• إطلاق مخيمات تربوية وثقافية مشتركة، وورشات فنية ورياضية، تُبنى فيها الروابط الإنسانية بعيدًا عن التشنج الإيديولوجي، وتُرسَّخ فيها قيم المواطنة والتعايش؛
• إرساء توأمات دائمة بين المؤسسات التعليمية والجمعيات والجماعات الترابية عبر مختلف جهات المملكة، لضمان استمرارية التواصل والتفاعل؛
• إشراك الشباب أنفسهم في صياغة البرامج والأنشطة، وتحميلهم مسؤولية الفعل والمبادرة، بدل الاكتفاء بتلقينهم خطابًا جاهزًا.
• إحداث تنسيقية وطنية للأطر الصحراوية ذات المصداقية التاريخية والنضالية، تضم على وجه الخصوص القياديين السابقين والمؤسسين الأوائل لجبهة البوليساريو، والعائدين من المخيمات، والشخصيات الصحراوية التي راكمت تجربة سياسية ونضالية ومعرفة دقيقة بخلفيات النزاع، وذلك في إطار قانوني ومؤسساتي واضح، وبدعم من الدولة، قصد:
* بلورة خطة شاملة للتعبئة الداخلية، تقوم على التواصل المباشر مع الشباب الصحراوي داخل الأقاليم الجنوبية، وتفكيك الخطاب الانفصالي من الداخل، بلغة التجربة والمعاناة والمعرفة الدقيقة بخبايا المشروع الانفصالي.
* فتح قنوات تواصل أخوي وإنساني منتظم مع الإخوة المقيمين بمخيمات تيندوف، اعتمادًا على روابط الدم والقرابة والذاكرة المشتركة، بهدف تصحيح المغالطات، وكشف واقع المخيمات، والدعوة إلى العودة الطوعية والاندماج الكريم في الوطن الأم.
* الاضطلاع بدور فاعل في الترافع الخارجي عن مغربية الصحراء، عبر المشاركة في الندوات الدولية، والمنتديات الحقوقية، وفضاءات التفكير والإعلام بالخارج، مستندين إلى شهادتهم الشخصية وتجربتهم السابقة داخل المشروع الانفصالي، بما يمنح خطابهم قوة إقناعية ومصداقية عالية يصعب الطعن فيها.
ط
* المساهمة في نقل الذاكرة الحقيقية للنزاع إلى الأجيال الصاعدة، ليس من زاوية الصراع الإيديولوجي، بل من منظور إنساني وتاريخي ناقد، يحصّن الشباب من التوظيف، ويعيد بناء الثقة في الوطن ومؤسساته.
• إرساء آليات للتتبع والتقييم المستمر لبرامج التأطير، تقيس أثرها الحقيقي على تمثلات الشباب وسلوكهم، وتُصحّح الاختلالات أولًا بأول، بدل الاكتفاء بتقارير شكلية لا تعكس الواقع.
إخوتي وأخواتي الأفاضل،
إن ما قُدِّم في هذه الحلقة الثالثة عشرة يؤكد أن معركة تحصين الوحدة الوطنية تبدأ من الإنسان، وتتجذر في التربية والثقافة والوعي، وأن الشباب يظل الرهان الأكبر في بناء الانتماء وترسيخ المواطنة الفاعلة.
غير أن التأطير التربوي والثقافي، مهما بلغ من الأهمية والنجاعة، لا يمكن أن يحقق أهدافه بمعزل عن أدوار باقي الفاعلين والمؤسسات.
فالوحدة الوطنية ليست مسؤولية المدرسة والأسرة والجمعيات وحدها، بل هي مسؤولية دولة ومجتمع، وسياسات عمومية وممارسات يومية، وثقافة مؤسساتية وسلوك إداري، يشعر من خلالها المواطن، وخاصة الشاب الصحراوي، بأن الدولة حاضرة لخدمته، وأن الوطن يحتضنه لا يراقبه فقط.
ومن هنا، سننتقل في الحلقة الرابعة عشرة إلى محور مكمل وحاسم، يتعلق بالتوصيات والمقترحات الموجَّهة إلى السلطات العمومية المركزية والترابية، باعتبارها الفاعل المؤسسي الأول في ترسيخ الثقة، وتعزيز سياسة القرب، وتجسيد الدولة العادلة في الحياة اليومية للمواطن.
إن الانتقال من تأطير الوعي إلى إصلاح الممارسة المؤسساتية هو شرط أساسي لتحصين الداخل الوطني، وتحويل الانتماء من خطاب إلى واقع معيش، ومن شعار إلى تجربة يومية.
وإلى الحلقة الرابعة عشرة، حيث نناقش مسؤولية الدولة ومؤسساتها في معركة الوعي والانتماء، وفاءً للوطن، وتحملًا للأمانة التاريخية، واستشرافًا لمستقبل أكثر تماسكًا وثقة.
والله وليّ التوفيق والسداد.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.