الحوار الاجتماعي بين الزيادة في الأجور والمعاش الضائع..
مجهر الصحراء : متابعة.
من يُنقذ جيب الأجير اليوم ومن يضمن كرامته غداً؟
يتحول فاتح ماي من كل سنة إلى “بورصة للمطالب”. وفي كل جولة من جولات الحوار الاجتماعي، تُرفع نفس اللافتة: “الزيادة في الأجور”. وفي كل مرة، يُرحَّل ملف “أنظمة التقاعد” إلى الجولة المقبلة. بين مطلب آني يفرضه لهيب الأسعار، وحق مؤجل تهدده شيخوخة الصناديق، يجد الحوار الاجتماعي نفسه أسير معادلة صعبة: *هل نكسب معركة الراتب الشهري ونخسر حرب المعاش مدى الحياة؟ ويعود السؤال الأكبر ليقض مضجع الملايين: ماذا عن معاشي بعد عمر طويل من العمل ؟
أولاً: نشوة الزيادة.. وانطفاء المعاش :
1 – الزيادة ترى بالعين المجردة : 1000 درهم في الراتب تحس بها الأسرة نهاية الشهر. تُسدد ديناً، تشتري كتاباً مدرسياً، تُطفئ جزءاً من فاتورة الكراء. فهي “انتصار ملموس” ترفعه النقابة وتتفاخر به الحكومة.
2 – المعاش الضائع لا يُرى إلا عند الكارثة : موظف قضى 40 سنة، يتقاعد اليوم ليكتشف أن معاشه لا يغطي دواءه. صندوق CMR سيُنفد احتياطيه سنة 2028. والنظام في عجز بنيوي: 2.3 نشيط فقط يمولون متقاعد واحد. لكن هذا الخطر “مؤجل”، لا يصرخ في الشارع، ولا يحرق العجلات. لذلك يُرحَّل دائماً.
ثانياً: لماذا الحوار يفضل “الأجر” على “المعاش” ؟
1 – العامل السياسي والانتخابي :
الزيادة في الأجر “تشتري السلم الاجتماعي” قبل الاستحقاقات المقبلة :
سنة 2026 هي سنة انتخابات تشريعية، وسنة 2027 احتضان مؤتمر الفيفا بالمغرب، و2030 لتنظيم المونديال. فلا أحد في الحكومة يريد إضراباً يوقف الأوراش. فتُعطى الأولوية لـ”المسكنات السريعة”. أما إصلاح التقاعد فهو “عملية جراحية” مؤلمة، لا أحد يريد تحمل كلفتها السياسية.
2 – اختلال ميزان القوى التفاوضي :
– النقابة : قواعدها تريد المال الآن. ومتقاعدو الغد لا يصوتون في المؤتمرات.
من السهل تعبئة الشارع من أجل “زيادة SMIG”، غير أنه من الصعب إقناعه بالتضحية من أجل “توازن صندوق لن يراه إلا بعد 20 سنة”.
– الحكومة : وزارة المالية تملك “فيتو” على أي كلفة. فهي تقول: “الزيادة بـ10 مليار ممكنة، لكن إنقاذ التقاعد يريد 40 مليار”. وبالتالي تختار الأقل كلفة.
– الباطرونا : ترفض أي رفع للاشتراكات لأنه “يقتل التنافسية” ،
فتتواطأ ضمنياً مع تأجيل الإصلاح.
3 – ثقافة “تدبير اليوم” :
لدينا 83% من اليد العاملة المغربية في الهشاشة وغير مهيكلة ، و”التقاعد” بالنسبة لها ترف.
إن المعركة اليوم هي “الخبز اليومي”. اما الحوار، وإن كان يدافع عنها، يصبح أسير منطقها : التركيز على الأجر، وتأجيل المعاش.
ثالثاً : كلفة المقايضة.. من يدفع الثمن؟ :
لقد قايضت الحكومة في اتفاقات 30 أبريل “إصلاح التقاعد” و”قانون الإضراب” بـ”زيادات أجرية”. والنتيجة :
1 – الجيل الحالي كسب زيادة في الأجر ، لكنه سيعمل حتى 63 أو 65 سنة . إمكانية رفع سن التقاعد لا محالة.
2 – الجيل القادم سيكسب معاشاً هزيلاً من خلال احتساب المعاش على معدل 20 سنة الأخيرة بدل 8 سنوات سيخفضه بـ15% إلى 20%.
3 – الدولة ستربح توازناً مالياً مؤقتاً ، لكنها ستخسر ثقة المواطن في “الدولة الاجتماعية” : متقاعد بلا كرامة هو قنبلة صامتة.
الحكومة إذن لا “تفاوض”، بل “تنقل الأزمة من جيب إلى جيب”. من جيب الأجير النشيط إلى جيب الأجير المتقاعد. من اليوم إلى الغد.
رابعاً : الخروج من الفخ.. كيف نوازن بين الأجر والمعاش؟ :
إن الحل ليس في الاختيار بينهما، بل في “عقد اجتماعي جديد” يضمن الاثنين معاً :
1 – ربط الزيادة في الأجر بالإنتاجية والتصريح الحقيقي :
لا يمكن المطالبة بمعاش لائق ونحن نصرح بـSMIG في CNSS. فكل زيادة في الأجر يجب أن يواكبها تصريح حقيقي، وكل تصريح حقيقي فهو يمول التقاعد.
2 – إصلاح التقاعد بـ”عدالة الأجيال” :
لا نحمل جيل 2026 كل الكلفة بل يجب أن توزع التضحيات على 30 سنة : من ولد بعد 1990 يطبق عليه النظام الجديد، ومن قبله يحتفظ بمكتسباته. ونستثمر احتياطات التقاعد في “صندوق سيادي” بمشاريع مدرة بدل تركها تتبخر.
3 – إدماج “المعاش” في ثقافة الحوار :
إذا كان نضالنا من أجل 500 درهم اليوم، فيجب أن نناضل من أجل 5000 درهم للمعاش غداً. والنقابات عليها الدفاع عن ملف التقاعد فهي مطالبة بتحويل “ملف التقاعد” من ملف خبراء إلى ملف قواعد ، والتضحية من أجل ذلك.
خاتمة :
الحوار الاجتماعي الذي يربح معركة الأجر ويخسر حرب التقاعد، هو حوار يخدر الألم ولا يعالج المرض.
والمعادلة الجديدة يجب أن تكون : زيادة في الأجر اليوم + ضمان معاش كريم غداً = سلم اجتماعي حقيقي.