إثارة الحكم الذاتي في الانتخابات المقبلة: ضرورة ديمقراطية ورسالة سيادية من قلب الصحراء المغربية
إعداد: المهندس عبد الله أيت شعيب، مؤلف كتاب “مغربية الصحراء دلائل وحقائق “.
يوم الخميس 23 أبريل 2026.
تفاعلاً مع مقال منشور مؤخرا بجريدة الإليكترونية “إضافة” حول توظيف ورقة الحكم الذاتي في الحملات الانتخابية بالأقاليم الجنوبية، وما أثاره من نقاش وجيه حول حدود هذا التوظيف ورهاناته، أقدّم هذه القراءة التحليلية التي تروم تعميق النقاش وإغناءه من زاوية توازن بين المسؤولية السياسية ومتطلبات الممارسة الديمقراطية.
في سياق وطني دقيق، ونحن على أعتاب الاستحقاقات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر 2026، يعود النقاش بقوة حول موقع ورقة الحكم الذاتي في الخطاب الانتخابي بالأقاليم الجنوبية. وهو نقاش لا ينبغي أن يُختزل في ثنائية القبول أو الرفض، بقدر ما يستدعي فهماً عميقاً لطبيعة المرحلة، حيث تتقاطع رهانات الديمقراطية الداخلية مع التحديات الجيوسياسية التي تحيط بقضية الصحراء المغربية.
لا شك أن مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب ليست مجرد موضوع انتخابي قابل للتداول الظرفي، بل هي مشروع وطني متكامل، يستند إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى، ويعكس إرادة دولة في إيجاد حل سياسي واقعي، يحفظ الوحدة الترابية ويستجيب في الآن ذاته لتطلعات الساكنة المحلية في تدبير شؤونها. غير أن تحويل هذه الخصوصية إلى مبرر لإبعادها عن النقاش الانتخابي، يطرح إشكالاً حقيقياً: *كيف يمكن لعملية ديمقراطية أن تكون ذات معنى، إذا تم تحييد أهم القضايا التي تهم مستقبل المواطنين؟*
*إن السؤال الحقيقي ليس: هل يجب إدراج الحكم الذاتي في الحملات الانتخابية؟ بل: *كيف يمكن إدراجه بشكل مسؤول، راشد، ومؤسس على وعي سياسي عميق؟ .
فحين يُطرح هذا المشروع في إطار خطاب رصين، بعيد عن الشعبوية والمزايدات، فإنه يتحول إلى أداة لتجسيد الانخراط الشعبي، وإلى فضاء للتفكير الجماعي في كيفية تنزيله على أرض الواقع. وهنا تكمن قيمته الديمقراطية الحقيقية.
إن إدماج ورقة الحكم الذاتي في البرامج الانتخابية ليس فقط خياراً سياسياً، بل هو ضرورة وطنية، لأنه يوجه رسالة واضحة إلى الداخل والخارج على حد سواء: *أبناء الصحراء المغربية ليسوا مجرد موضوع لقرارات مركزية، بل هم شركاء فعليون في بلورة مستقبلهم السياسي والمؤسساتي*. وهذا المعطى في غاية الأهمية على المستوى الدولي، حيث لا تزال بعض الأطروحات تحاول اختزال القضية في صوت واحد، متجاهلة واقع الانخراط الواسع لساكنة الأقاليم الجنوبية في المؤسسات الوطنية وفي المسار الديمقراطي.
ومن هذا المنطلق، فإن إبراز هذا الانخراط عبر الحملات الانتخابية يشكل رداً عملياً وهادئاً على كل محاولات التشويش، ويؤكد أن مشروع الحكم الذاتي ليس مفروضاً من فوق، بل يجد امتداده الطبيعي في الإرادة الشعبية. فالصناديق الانتخابية، حين تُحسن قراءتها، لا تعكس فقط اختيارات تدبيرية محلية، بل تعبر أيضاً عن مواقف سياسية عميقة، وعن انتماء وطني راسخ.
صحيح أن هناك تخوفاً مشروعاً من الانزلاق نحو الخطاب الشعبوي أو توظيف هذا الملف في صراعات ضيقة، لكن علاج هذا الخطر لا يكون بإقصاء الموضوع، بل بتأطيره. فالديمقراطية ليست فضاءً معقماً، بل هي مجال للنقاش والتدافع، وما ينبغي الحرص عليه هو سقف الخطاب، حتى يظل منسجماً مع الثوابت الوطنية، دون أن يفقد جرأته أو عمقه. وهنا تبرز مسؤولية الأحزاب السياسية، التي يجب أن ترتقي من منطق الشعارات إلى منطق التصورات، عبر تقديم برامج واضحة حول كيفية تنزيل الحكم الذاتي، وربطه بإصلاحات الحكامة الجهوية، وتعزيز الديمقراطية المحلية، وتحقيق العدالة المجالية.
ولا يقل البعد الإنساني أهمية عن البعد السياسي في هذا الملف. فالقضية، في عمقها، ليست فقط نزاعاً حول الأرض، بل هي أيضاً معاناة إنسانية مرتبطة بتشتت الأسر والقبائل الصحراوية. ومن هنا، فإن من واجب الفاعلين السياسيين أن يجعلوا من الحملات الانتخابية مناسبة للدعوة الصادقة إلى لمّ الشمل، وفتح قنوات التواصل مع إخواننا في مخيمات تندوف، وتشجيع العودة إلى أرض الوطن، بعيداً عن أوهام الانفصال التي لم تفرز سوى المزيد من المعاناة والانتظار.
أما على مستوى الناخب، فمن الطبيعي أن تتصدر القضايا المعيشية اهتماماته اليومية، من شغل وخدمات وبنيات تحتية. غير أن هذا لا يعني غياب الوعي بالقضايا الكبرى، بل إن الناخب اليوم أصبح أكثر إدراكاً للعلاقة بين الخيارات السياسية الكبرى وظروفه الحياتية. وهنا تبرز أهمية الربط الذكي بين مشروع الحكم الذاتي وبرامج التنمية، باعتباره إطاراً مؤسساتياً يمكن أن يعزز من نجاعة التدبير المحلي، ويوسع من هامش المبادرة الجهوية، ويخلق دينامية تنموية أكثر استجابة لخصوصيات المنطقة.
إن المرحلة المقبلة تضع الجميع أمام اختبار حقيقي: *هل سنختار مقاربة حذرة تُقصي القضايا الكبرى من النقاش، أم سنراهن على نضج الفاعلين والناخبين لفتح نقاش مسؤول حول مستقبل الصحراء المغربية؟* إن الرهان، في تقديري، يجب أن يكون على الخيار الثاني، لأنه وحده الكفيل بإعطاء مضمون حقيقي للممارسة الديمقراطية.
خلاصة القول، إن إثارة موضوع الحكم الذاتي خلال الانتخابات المقبلة ليست ترفاً سياسياً، بل ضرورة ديمقراطية واستحقاق وطني. فحين يُطرح هذا المشروع بوعي ومسؤولية، فإنه يتحول إلى رافعة لتعزيز الشرعية الشعبية، وإلى رسالة قوية موجهة إلى الداخل والخارج مفادها أن الصحراء المغربية ليست فقط قضية دبلوماسية، بل هي أيضاً مجال حي لممارسة ديمقراطية واعية، وانخراط وطني راسخ، وإرادة جماعية في بناء المستقبل.