مجهر الصحراء : كتاب الرأي
لماذا لا نطمئن الطفل بما يكفي..!
بقلم: د. عبدالكريم بكار
في المطبخ، كانت طفلة في السادسة تسأل أمها للمرة الثالثة: «هل أنتِ متأكدة أنك ستأتين لأخذي من المدرسة؟» أجابتها الأم، وهي تواصل إعداد الطعام: «أكيد يا حبيبتي، لا تقلقي». وبعد دقائق عادت الطفلة بالسؤال نفسه، ولكن بصيغة أخرى: «لكن إذا تأخرتِ؟» فابتسمت الأم وأجابتها بالصبر نفسه: «لن أتأخر، أنا معك».
لا يبدو في هذا المشهد ما يدعو إلى القلق. على العكس، تبدو الأم حاضرة ومتفهمة، لا تسخر من خوف طفلتها، ولا تطلب منها أن تتوقف عن القلق، ولا تتعامل مع مشاعرها باستخفاف. إنها تفعل ما نظن جميعًا أنه ينبغي للوالد المحب أن يفعله: تستمع، وتطمئن، وتمنح الأمان.
لكن لنبقَ في هذا المطبخ قليلًا.
في اليوم التالي، تسأل الطفلة السؤال نفسه. وبعده بيوم يتكرر السؤال مرة أخرى. ثم تبدأ الأم بملاحظة أمر محير: الطمأنة التي كانت تهدئ طفلتها في البداية لم تجعل القلق يتراجع مع الوقت، بل أصبح السؤال أكثر إلحاحًا، وكأن كل إجابة مطمئنة تفتح الباب لسؤال جديد يحتاج إلى إجابة أخرى.
هنا قد تبدأ الأم في التساؤل: هل أفعل شيئًا خاطئًا، رغم أنني أفعل بالضبط ما تعلمته من النصائح التربوية؟ أستمع لطفلتي، أحتوي مشاعرها، وأطمئنها عندما تخاف.
وهنا تظهر مشكلة تربوية دقيقة: ربما لا تكون المشكلة دائمًا في أننا لا نطمئن الطفل بما يكفي، وإنما في أننا نطمئنه بطريقة تجعله يحتاج إلى الطمأنة مرة أخرى.
فالطفل حين يسأل: «هل ستأتين؟» لا يبحث بالضرورة عن معلومة جديدة. قد يكون يبحث عن الشعور الذي يأتي بعد الإجابة؛ يسأل، ثم يسمع «نعم، سآتي»، فيهدأ قليلًا، ثم يعود القلق، فيسأل من جديد، فتأتي الإجابة من جديد.
ومع تكرار الدائرة، قد يتعلم الطفل شيئًا من دون أن يقصده أحد: عندما أشعر بالقلق، أحتاج إلى أن يطمئنني شخص آخر حتى أهدأ.
وهنا تكمن المفارقة. فالوالد يريد أن يعلّم الطفل أنه آمن، لكن الطمأنة المتكررة قد تجعل الطفل يعتمد بصورة أكبر على الطمأنة الخارجية بدل أن يكتسب تدريجيًا القدرة على احتمال قدر من القلق واكتشاف أنه يستطيع تجاوزه.
وتشير الأبحاث المتعلقة بقلق الأطفال إلى ظاهرة تُعرف بـ«التكيّف الأسري»، وهي قيام الوالدين بتعديل سلوكهم أو روتين الأسرة لتخفيف قلق الطفل، مثل تقديم الطمأنة المتكررة أو مساعدته على تجنب المواقف التي يخاف منها.
وقد ارتبط ارتفاع هذا النوع من الاستجابة بمستويات أعلى من القلق والتجنب لدى الأطفال في الدراسات السريرية. كما أظهرت بعض البرامج العلاجية التي تستهدف تقليل هذا التكيّف الأبوي تحسنًا في أعراض القلق لدى الأطفال أنفسهم.
لكن من المهم هنا ألا نذهب أبعد مما تسمح به الأدلة. فهذه النتائج لا تعني أن كل طفل يطلب الطمأنة يعاني اضطرابًا، ولا أن كل طمأنة ضارة، ولا أن الأم التي تقول لطفلتها «لا تقلقي» ترتكب خطأ تربويًا. كثير من هذه الدراسات أجري على أطفال يعانون أصلًا من مستويات ملحوظة من القلق، ولذلك لا يصح نقل نتائجها حرفيًا إلى كل بيت.
المغزى التربوي الأوسع أكثر هدوءًا من ذلك: هناك فرق بين أن نساعد الطفل على الشعور بالأمان، وبين أن نجعل حصوله على الأمان مشروطًا بأن نزيل عنه كل شعور بالخوف.
خذ مثلًا طفلًا يخاف من الكلاب. يرى كلبًا في الشارع، فيمسك بيد أمه ويطلب منها أن تغير الطريق، فتفعل. لقد فعلت الأم ما يبدو طبيعيًا جدًا: أبعدت عن طفلها ما يخيفه. لكنه إذا تكرر الأمر في كل مرة، فقد لا يحصل الطفل على فرصة لاكتشاف أن الخوف يمكن احتماله، وأن رؤية الكلب لا تعني بالضرورة وقوع شيء سيئ.
الأمر نفسه قد يحدث مع طفل يخاف النوم وحده، أو طفل يتردد في دخول مكان جديد، أو طفل يقلق من الذهاب إلى المدرسة، أو طفل يسأل باستمرار عن احتمال حدوث شيء سيئ. في كل هذه المواقف، قد يكون أمام الوالد خياران مختلفان، وإن بدا كلاهما في البداية شكلًا من أشكال الحب: إما أن يسارع إلى إزالة مصدر الخوف، وإما أن يبقى بجانب الطفل بينما يتعلم شيئًا عن قدرته على التعامل معه.
وهنا يظهر سؤال أكثر أهمية من سؤال: «كيف أجعل طفلي يتوقف عن الخوف؟»
السؤال هو: هل أُنقذ طفلي من الشعور بالخوف، أو أبقى معه بينما يتعلم كيف يحتمله؟
الفرق بين الأمرين ليس في مقدار الحب. كلاهما قد يصدر عن حب حقيقي. الفرق في الدور الذي نؤديه أمام مشاعر الطفل. ففي الحالة الأولى، نصبح أحيانًا بديلًا عن قدرة الطفل الناشئة على التعامل مع مشاعره؛ نحل المشكلة، ونزيل الموقف، ونقدم الطمأنة، ونغلق باب القلق بأسرع ما نستطيع. أما في الحالة الثانية، فنظل حاضرين، لكننا لا نسلب الطفل فرصة أن يكتشف بنفسه أن المشاعر الصعبة يمكن احتمالها، وأن الخوف ليس أمرًا يجب التخلص منه فور ظهوره.
ولهذا قد يكون الفرق أحيانًا بسيطًا جدًا في اللغة. بدل أن نقول للطفل في كل مرة: «لا تخف، لن يحدث شيء»، يمكن أن نقول: «أعرف أنك خائف، وأنا هنا معك». وبدل أن يكون هدفنا أن يتوقف القلق فورًا، يمكن أن نساعده على البقاء في الموقف بقدر يستطيع، حتى يكتشف أن القلق يمكن أن يرتفع ثم ينخفض، وأن الشعور بالخوف لا يعني بالضرورة أن هناك خطرًا حقيقيًا.
لنعد إلى المطبخ.
تسأل الطفلة أمها مرة أخرى: «هل أنتِ متأكدة أنك ستأتين لأخذي من المدرسة؟»
هذه المرة تنظر الأم إليها وتقول: «أفهم أنك قلقة من أن أتأخر. أنا سآتي، وإذا شعرتِ بالقلق قبل أن أصل، تذكري أنك تستطيعين أن تتحملي هذا الشعور، وأنا واثقة أنك ستكونين بخير».
لم تصبح الأم أقل حبًا، ولم تتخلَّ عن طفلتها، ولم تطلب منها أن تواجه خوفها وحدها. لكنها أضافت شيئًا مهمًا إلى الطمأنة: الثقة بقدرة الطفل، لا مجرد إزالة خوفه.
وهذه ربما واحدة من أكثر التحولات أهمية في التربية: أن ينتقل دور الوالد تدريجيًا من الشخص الذي يحاول إطفاء كل خوف، إلى الشخص الذي يساعد الطفل على اكتشاف أنه قادر على التعامل مع بعض مخاوفه بنفسه.
فالحياة لن تخلو من الخوف. سيخاف الطفل من المدرسة في يوم، ومن الفشل في يوم آخر، ومن الرفض، ومن المرض، ومن الأماكن الجديدة، ومن المواقف التي لا يعرف نتائجها. وليس ممكنًا، ولا صحيًا، أن نزيل كل مصادر القلق من طريقه.
ما نستطيع أن نمنحه إياه هو شيء أعمق من حياة خالية من الخوف: أن يعرف أن الخوف يمكن أن يأتي ويذهب، وأن الشعور بالقلق لا يعني العجز، وأن وجود شخص يحبه إلى جانبه لا يعني أنه غير قادر على الوقوف وحده.
ربما لا يحتاج الطفل دائمًا إلى من يقول له: «لا تخف».
أحيانًا يحتاج إلى من يقول له، بمعنى كلماته وحضوره: «أنا هنا، وأعرف أنك خائف، لكنني أعرف أيضًا أنك قادر».
فالحب لا يكون دائمًا في أن نُطفئ خوف الطفل بأسرع ما نستطيع؛ قد يكون أحيانًا في أن نملك الشجاعة الكافية لنبقى إلى جواره، دون أن نحمل عنه ما يستطيع أن يتعلم حمله بنفسه.
لأن التربية ليست أن نمنع أبناءنا من مواجهة الخوف، وإنما أن نساعدهم على ألا يصبحوا أسرى له.