حين يجلس الناس مع بعضهم اليوم، تتكرر عبارة واحدة بأشكال مختلفة:
“الحياة أصبحت صعبة.”
ولا يقصدون بذلك الجانب المادي فقط، رغم ما فيه من تحديات، بل يقصدون شعورًا عامًا بالثقل يرافقهم في تفاصيل حياتهم اليومية.
فما الذي تغير؟
هل أصبحت الحياة فعلًا أكثر صعوبة من حياة الأجيال السابقة؟
ربما لا.
فالأجيال السابقة واجهت حروبًا ومجاعات وأمراضًا وظروفًا قاسية لا نتمنى أن نعيش بعضها.
لكن ما تغير هو طبيعة الضغوط التي يعيشها الإنسان.
في الماضي كانت المشكلات أوضح وأقل عددًا، أما اليوم فإن الإنسان يعيش وسط سيل لا ينقطع من المطالب والتوقعات والمعلومات.
أصبح مطالبًا بالنجاح المهني، والاستقرار المالي، وتطوير الذات، ومتابعة الأخبار، ومواكبة التقنية، والاهتمام بصحته، وبناء علاقاته، وتحقيق طموحاته… وكل ذلك في الوقت نفسه.
ولم يعد الإنسان يقارن نفسه بجيرانه أو زملائه فقط، بل بمئات الأشخاص الذين يراهم يوميًا عبر الشاشات.
يرى نجاحاتهم، وسفرهم، وإنجازاتهم، ومظاهر حياتهم الجميلة، فيشعر – دون أن ينتبه – أن ما يملكه أقل مما ينبغي، وأن ما حققه أقل مما يجب.
ومن أسباب هذا الثقل أيضًا أن الحياة الحديثة رفعت مستوى التوقعات أكثر مما رفعت مستوى الرضا.
فكثير من الناس يعيشون حياة كانت تُعد قبل عقود حياة مريحة ومستقرة، ومع ذلك يشعرون بالنقص والضغط؛ لأن سقف التوقعات ارتفع باستمرار.
كما أن الإنسان المعاصر فقد شيئًا مهمًا كانت تملكه المجتمعات القديمة بدرجة أكبر: البساطة.
كانت الحياة أكثر بطئًا، والعلاقات أكثر حضورًا، والخيارات أقل، والقرارات أوضح.
أما اليوم فإن كثرة الخيارات نفسها أصبحت مصدرًا للحيرة والإرهاق.
لكن لعل المشكلة الأكبر أن كثيرًا من الناس يحاولون حمل الحياة كلها دفعة واحدة.
يفكرون في سنوات طويلة قادمة، ومشكلات لم تقع بعد، وتحديات لم تأتِ بعد، فيثقلون حاضرهم بأعباء مستقبلية لا يملكون التحكم فيها.
ولهذا فإن الحكمة لا تكمن في أن تصبح الحياة أخف، فالحياة لم تكن يومًا خالية من التحديات.
وإنما في أن يتعلم الإنسان كيف يحملها بطريقة صحيحة.
أن يركز على ما يستطيع فعله اليوم.
وأن يخفف من المقارنات التي تستنزف روحه.
وأن يدرك أن قيمة الحياة لا تُقاس بكثرة ما يملك، بل بقدر السكينة والمعنى اللذين يجدهما فيما يملك.
فربما لم تصبح الحياة أثقل كما نتصور…
لكننا أصبحنا نحاول أن نحمل منها أكثر مما ينبغي.