الشرق الأوسط بين ضجيج التصريحات وصمت الحسابات
د. عبداللطيف مشرف.
مقدمة:
المشهد بين واشنطن وطهران لا يُقرأ من عناوين الأخبار العاجلة، بل من المسافة بين ما يُقال وما لا يُقال. تصريحات الهدنة والمفاوضات الوشيكة تتصاعد وتتهاوى في اليوم نفسه، لأن الطرفين لا يتفاوضان على ملف نووي فقط، بل على إعادة تعريف “الهيبة” و”الردع” في لحظة جيوسياسية مشتعلة. كل كلمة محسوبة، وكل تناقض مقصود. هذه ليست فوضى، بل لعبة سجاد فارسي تُحاك خيطاً خيطاً، ومن يصرخ أولاً قد يخسر آخر
*1. التصريحات المتناقضة : سلاح تفاوضي وليس ارتباكاً
التناقض بين واشنطن وطهران حول الهدنة ليس دليل تخبط، بل أداة ضغط متبادل.

– *واشنطن : تلوّح بالتفاوض لامتصاص النقمة الداخلية والدولية، وفي نفس اللحظة ترفع لهجة التهديد لطمأنة حلفائها بأنها لم تتراجع.
– *طهران : تنفي وتؤكد في نفس الأسبوع لأنها تخاطب جمهورين: الداخل الذي يرفض “الاستسلام”، والخارج الذي تريد إقناعه أنها لا تغلق باب الدبلوماسية.
الخلاصة: التناقض هنا هو الرسالة. الهدف إبقاء الخصم في حالة عدم يقين دائم.
*2. تكتيك “الرجل المجنون” : سقف عالٍ بثمن محسوب
ترامب يوظف صورة “اللا متوقع” كأصل تفاوضي. الضغط الأقصى يرفع سقف المطالب الإيرانية ويجبرها على تقديم تنازلات لم تكن لتقبلها في الظروف العادية.
لكن المفارقة: هذا التكتيك له خط أحمر اسمه “الانتخابات والاقتصاد”. انفجار إقليمي شامل يرفع أسعار النفط، يربك الأسواق، ويحرقه سياسياً في الداخل الأمريكي. لذلك هو يلعب على حافة الهاوية، لا ما بعدها. يريد صفقة تُسجل كـ”نصر” دون أن يدفع كلفة حرب.
*3. معضلة طهران : المفاوضات اختبار وجود لا ملف تقني
بالنسبة للنظام الإيراني، البرنامج النووي ليس مجرد أجهزة طرد مركزي. هو رمز “السيادة” وعمود هيبة الحرس الثوري أمام الداخل. أي اتفاق يظهر كـ”تراجع” يهدد تماسك السردية الرسمية التي بُنيت على “المقاومة” لعقود.
لذلك طهران لا تفاوض على بنود تقنية فقط، بل على “المعنى”. تريد صيغة تسمح لها أن تقول لشعبها: “لم ننحنِ، بل أجبرناهم على الاعتراف بنا”.
*4. إيران و”شراء الوقت” : فن المخرج التجميلي
التاريخ التفاوضي الإيراني يقوم على 3 ركائز: المماطلة، التجزئة، وإعادة التفسير. لن توقع طهران صفقة تكسر هيبتها الداخلية، لكنها بارعة في هندسة “مخارج تجميلية”:
– اتفاق غامض الصياغة يسمح لكل طرف بتسويقه كنصر.
– تخفيف تدريجي للعقوبات مقابل تجميد جزئي ومؤقت للأنشطة.
– ربط الملف النووي بملفات إقليمية لتوسيع هامش المناورة.
الهدف: كسب الوقت، التقاط الأنفاس اقتصادياً، مع الإبقاء على الخيارات النووية مفتوحة.
*5. فخ الصفقات : اليوم التالي هو الأخطر عربياً
الخطر الحقيقي ليس في توقيع الاتفاق، بل في ما بعده. أي “صفقة” أمريكية-إيرانية تعيد توزيع مناطق النفوذ وتُعيد تخصيب التبعية في الجغرافيا العربية.
– *السيناريو الأول : رفع جزئي للعقوبات = سيولة مالية جديدة لطهران توظفها في أذرعها الإقليمية.
– *السيناريو الثاني : “تفاهم ضمني” يمنح إيران هامشاً في عواصم عربية مقابل ضبط سلوكها النووي.
في الحالتين، العرب قد يجدون أنفسهم أمام خريطة جديدة تُرسم فوق رؤوسهم، ويصبح “السلام” مجرد هدنة لإعادة تموضع القوى.
*الخلاصة : من يصمد آخراً يحيك السجاد
في لعبة الأمم، الضجيج للاستهلاك الإعلامي، والصمت للاعبين الكبار. التاريخ لا يكتبه من يهدد أكثر، بل من يمتلك النفس الطويل ويحسب كلفة كل خيط في السجادة السياسية. اليوم التالي للمفاوضات سيكشف من كان يشتري الوقت، ومن كان يبيع الوهم .