دور الجانب الطبي والصحي في الوقاية من حوادث السير وتعزيز السلامة الطرقية
اعداد : لشكر عبدالله
* مقدمة
عندما نتحدث عن حوادث السير، يتبادر إلى الذهن فوراً السرعة والطريق والرادار. لكن هناك جبهة صامتة تحسم حياة السائق قبل أن يضغط على دواسة البنزين: الجانب الطبي والصحي. فالسائق إنسان بجسد وروح ، وأي خلل فيهما قد يحول المركبة إلى خطر متنقل. إن إدماج البعد الصحي في منظومة السلامة الطرقية لم يعد ترفاً، بل شرط أساسي لوقف نزيف الطرق. فالوقاية تبدأ من عيادة الطبيب قبل أن تبدأ من علامة التشوير.
1 – تحليل واقعي: كيف يؤثر العامل الصحي في حوادث السير ؟
الإحصائيات العالمية والمحلية تؤكد أن العامل البشري مسؤول عن أكثر من 90% من الحوادث، وجزء كبير منه مرتبط مباشرة بالصحة:
أ – الحالات الطبية المفاجئة أثناء السياقة :
*النوبات القلبية والدماغية : فقدان الوعي لثوانٍ على الطريق السيار يعني كارثة محققة.
*الصرع والسكري : انخفاض السكر الحاد Hypoglycemia يسبب دوخة وتشوش رؤية وفقدان تركيز قاتل.
*اضطرابات النوم : توقف التنفس أثناء النوم يسبب نعاساً قهرياً في النهار. “غفوة ثانية” على الطريق تقتل.
ب – الأدوية والسياقة :
أدوية كثيرة شائعة تؤثر على اليقظة : مضادات الحساسية، المهدئات، أدوية الضغط، مسكنات الألم القوية، وحتى بعض أدوية السعال. وكملاحظة فاللصيقة على العلبة “يمنع السياقة” لا يقرؤها أغلب الناس.
ج – الصحة النفسية والسلوك :
*التعب والإرهاق : فمثلا السائقون المهنيون للحافلات والشاحنات يشتغلون ساعات طويلة ، ونسبة التعب تخفض ردة الفعل بنسبة 50%.
*التوتر والعدوانية : الضغط النفسي يتحول إلى سياقة عدوانية، ويؤدي إلى تجاوزات خطيرة، وعدم احترام الأسبقية.
*الإدمان : تعاطي الكحول والمخدرات لا تزال سبباً رئيسياً للحوادث المميتة، رغم كل حملات التوعية والتحسيس.
د – ضعف البصر والسمع :
فالسائق الذي لا يرى بوضوح إشارة قف على بعد 50 متر، أو لا يسمع منبه سيارة الإسعاف، هو قنبلة موقوتة. والظاهرة المقلقة ان الكثيرين لا يفحصون بصرهم إلا عند تجديد الرخصة.
فماهي الحلول الممكنة في الموضوع..؟

2 – كيف نوظف الطب في خدمة السلامة الطرقية ؟
الوقاية الطبية يجب أن تكون منظومة متكاملة قبل وأثناء وبعد الحصول على رخصة السياقة.
أ – على مستوى التشريع والمراقبة :
1 – إقرار الفحص الطبي الدوري الإجباري : ليس فقط عند نيل الرخصة لأول مرة، بل فحص كل 5 سنوات، وكل سنتين لمن فوق 60 سنة، وكل سنة للسائقين المهنيين. يشمل البصر، القلب، الأعصاب، والسكري.
2 – وضع لائحة وطنية للأمراض المانعة : تحديد أمراض تمنع السياقة مؤقتاً أو نهائياً، مثل الصرع غير المتحكم فيه، مع ضمان حق المريض في العلاج والاستئناف.
3 – مراقبة الأدوية : إلزام الأطباء والصيادلة بتنبيه المريض شفوياً وكتابياً إذا كان الدواء يؤثر على السياقة، ووضع رمز واضح على العلبة.
4 – تشديد مراقبة الكحول والمخدرات : تعميم اختبارات الكشف الفجائية، وتشديد العقوبة لتصل إلى سحب الرخصة نهائياً في حالة العود.
ب – على مستوى السائق المهني والمقاولة :
1 – فرض إجبارية طب الشغل : كل شركة نقل يجب أن تتوفر على طبيب شغل يراقب صحة السائقين، ساعات النوم، وضغط العمل.
2 – تقنيات وأجهزة مراقبة اليقظة : تشجيع تجهيز الشاحنات والحافلات بأنظمة تنبه السائق عند رصد علامات النعاس أو شرود الذهن.
3 – مراقبة فترات راحة السائقين : يجب تفعيل القانون ومنع الشركات من الضغط على السائقين لتجاوز ساعات السياقة القانونية.
ج – على مستوى التدخل بعد الحادث :
1 – التأكيد على السرعة في الإسعاف : كل دقيقة تأخير تخفض نسبة النجاة 10%.
العمل على تكوين المواطنين في الإسعافات الأولية، وتعميم رقم 15 للاستعلام ومراكز استشفائية مجهزة على الطرق الوطنية والحيوية .
2 – تجهيز طب الطوارئ والإنعاش : تجهيز سيارات الإسعاف وفرق الوقاية المدنية، وتقليص “الوقت الذهبي” بين الحادث والوصول للمستشفى.
* خاتمة :
السلامة الطرقية معادلة ثلاثية تجمع السائق والمركبة ثم الطريق. والجانب الطبي هو الضامن لسلامة العنصر الأول والأهم: السائق. ولا يمكن بوجود طريق ممتازة وسيارة حديثة أن تعوض سائقاً متعباً أو مريضاً أو تحت تأثير الدواء. لذلك، فإن إشراك الأطباء والصيادلة ومصحات الشغل في استراتيجية السلامة الطرقية، وتحويل الفحص الطبي من إجراء شكلي إلى فلتر حقيقي، هو استثمار مباشر في إنقاذ الأرواح.