المبادئ الأساسية والقضايا الاتفاقية في علم مقاصد الشريعة
( الحلقة 1 )
العلامة د. الشيخ أحمد الريسوني
دأبُ العلماء الراسخين والأئمة المعتمَدين في الأمة تحرِّي أقومِ المناهج وأعدل المسالك في فهم الشريعة ونصوصها، بعيدا عن الأهواء والأمزجة والتحكمات القَبْلية.
وعلى هذا الأساس عملَ جماهيرُ العلماء، منذ الصحابة فمَن بعدهم، على فهم نصوص الشرع وبيانها واستنباط مكنوناتها من ثلاثة أوجه، مجتمعة متكاملة، وهي:
دلالاتها اللغوية،
ودلالاتها القياسية،
ودلالاتها المقاصدية.
أي إنهم يُعملون النص الشرعي بلفظه ومعقوله ومقصوده. وهو النهج الذي قال عنه الإمام الشاطبي: ” أنْ يقال باعتبار الأمرين جميعا، على وجه لا يخلُّ فيه المعنى بالنص ولا بالعكس، لتجريَ الشريعة على نظام واحد لا اختلاف فيه ولا تناقض. وهو الذي أَمَّـهُ أكثر العلماء الراسخين”[1].
وقال الشيخ عبد الله دراز في مقدمته للموافقات: “من هذا البيان، عُلم أن لاستنباط أحكام الشريعة ركنين: أحدهما علم لسان العرب، وثانيهما علم أسرار الشريعة ومقاصدها”[2].
ومقاصد الشريعة هذه ليست شيئا إضافيا خارجا عن الشريعة، بل هو الشريعة عينها، بحقها وحقيقتها. وأما من يقف عند ألفاظ النصوص وظواهرها، دون معانيها ومقاصدها، فإنه إنما يتمسك بأشباح دون أرواح.. وتلك هي الشريعة المحرفة المشوهة، وليست هي الشريعة المنزلة المطهرة، التي وصفها الإمام ابن القيم بقوله: “الشريعة مبناها وأساسها على الحكَم ومصالح العباد، في المعاش والمعاد. وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها. فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أُدخلت فيها بالتأويل”[3]
وقد أجمع من يُعتدُّ بهم من العلماء على أن أحكام الشريعة معللة – جملة وتفصيلا – بمصالح العباد، عاجلِها وآجلها، عَلم ذلك مَن علمه وجهله من جهله.
وقد حكى عدد من الأصوليين الإجماعَ على كون أحكام الشريعة معللةً بالحكم والمصالح..
من ذلك ما ذكره سيف الدين الآمدي: أنه لا يجوز القول بوجود حُكم لا لعلة، وقال: “إذ هو خلاف إجماع الفقهاء على أن الحكم لا يخلو من علة”[4]، ثم أكد في موضع آخر أن ” أئمة الفقه مجمعة على أن أحكام الله تعالى لا تخلو من حكمة ومقصود”[5].
وبمثل هذا صرح ابن الحاجب قائلا: ” فإن الأحكام شرعت لمصالح العباد، بدليل إجماع الأئمة”.
والشاطبي يقول: “والإجماع على أن الشارع يقصد بالتكليف المصالح على الجملة”، ويقول أيضًا: “الشارع وضع الشريعة على اعتبار المصالح باتفاق”[6].
وقد استعرض العلامة محمد مصطفى شلبي نماذج كثيرة من التعليلات الواردة في القرآن والسنة وفقه السلف، ثم قال: “وما كنت بحاجة إلى هذا البحث بعدما تقدم من عرض نصوص التعليل في القرآن والسنة، ومسلك الصحابة والتابعين وتابعيهم فيه، غير متخالفين، ولا متنازعين. وفيه الحجة القاطعة على أن أحكام الله معللة بمصالح العباد، وقد وجد إجماع أو شبه إجماع على هذه الدعوى قبل أن يولد المتخاصمون فيها”[7].
وقد انتقد العلامة شاه ولي الله الدهلوي نفاةَ التعليل، وأنكر عليهم ظنهم أن الشريعة ليست سوى اختبار وتعبد لا اهتمام لها بشيء من المصالح، ثم قال: ” وهذا ظن فاسد تكذبه السنة وإجماع القرون المشهود لها بالخير”.
وأجمع العلماء أيضا – تأكيدا وبيانا لما تقدم – على أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، إنما بعثوا بجلب المصالح والخيرات وتكميلها، ودرء المفاسد والشرور وتقليلها. وتواطأت كلمتهم على أن مجمل مقاصد الشريعة: جلب المصالح ودرء المفاسد. والآيات الدالة على ذلك أكثر من أن تحصى، كما نرى في هذه الأمثلة:
{يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [المؤمنون: 51]
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77]
{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ} [هود: 88]
{وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 142]
{فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} [الأعراف: 85]
{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7، 8]
وأما ما يحكيه الأصوليون من اختلاف في حجية المصلحة.. فالصواب قصره على المصالح الغريبة أو المزاجية أو الوهمية، التي لا تتضمنها ولا تشهد لها مقاصد الشرع. ولذلك قال الإمام الغزالي (وهو المشهور عنه إنكارُ حجية المصلحة): “…وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع، فلا وجه للخلاف في اتباعها، بل يجب القطع بكونها حجة”[8].
وحين يتحدث العلماء عن مقاصد الشريعة، فإنما يتحدثون عن المقاصد المستنبطة من الكتاب والسنة، وما أجمع عليه العلماء.. قال الإمام الغزالي: ” ومقاصد الشرع تُعرف بالكتاب والسنة والإجماع؛ فكل مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصودٍ فُهم من الكتاب والسنة والإجماع، وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشرع، فهي باطلة مُطَّـرَحة”[9].
والمصلحة في المفهوم الشرعي ليست منحصرة فيما يعده الناس مصلحة، بل تشمل المصالح الدنيوية والأخروية، والمادية والمعنوية، والروحية والبدنية، والحسية والنفسية، والفردية والجماعية، والعاجلة القريبة، والآجلة البعيدة..
والمصالح التي هي مقصود الشرع وحجةٌ من حُجَجه، تشمل ما هو ضروري، وما هو حاجيٌّ، وما هو تحسيني، أي تشمل المصالح بكل مراتبها ومستوياتها. وكل ذلك منصوص أو مشار إليه في الكتاب والسنة. قال الشاطبي: ” المصالح لا تعدو الثلاثة الأقسام: وهى الضروريات ويلحق بها مكملاتها، والحاجيات ويضاف إليها مكملاتها، والتحسينيات ويليها مكملاتها… وإذا نظرنا إلى السنة وجدناها لا تزيد على تقرير هذه الأمور؛ فالكتاب أتى بها أصولا يُـرجع إليها، والسنة أتت بها تفريعا على الكتاب وبيانا لما فيه منها… فالضروريات الخمس كما تأصلت في الكتاب، تفصلت في السنة”[10].
…( يتبع )
[1] الموافقات (2/ 393).
[2] الموافقات1/5
[3] – أعلام الموقعين 3/ 3
[4] الإحكام في أصول الأحكام
[5] الإحكام في أصول الأحكام
[6] الموافقات
[7] تعليل الأحكام، ص:96
[8] – المستصفى ص:337
[9] المستصفى ص: 336 ـ 337
[10]الموافقات 4/ 27