بقلم : سيدي اعلي سالم هبد
لم يعد مقترح الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية المغربية مجرد مبادرة دبلوماسية للحل، بل تحول إلى مشروع دولة يدخل اليوم مرحلة “التدقيق المؤسساتي”. إن التحولات المتسارعة التي أعقبت “لقاء مدريد” —الذي جمع الأطراف المعنية برعاية أمريكية— تؤشر على نهاية زمن “إدارة الجمود” وبداية زمن “الحسم الميداني”. هذا اللقاء لم يكن بروتوكولياً، بل مثل إعلاناً ضمنياً عن انتقال النزاع من صراع هويات متصادمة إلى مسار بحث عن نموذج حكامة ناجع، حيث أصبحت المقاربات الواقعية والتقنية تتقدم على خطابات الاستنزاف الإيديولوجي.
أولاً: الانتقال من “السياسي” إلى “التقني المؤسساتي”
إن القراءة الاستشرافية للمرحلة المقبلة تفيد بأن النقاش لم يعد يتمحور حول “المبادئ العامة”، بل حول الهندسة الدستورية الدقيقة. نحن أمام صياغة عقد اجتماعي جديد يعيد تعريف العلاقة بين المركز والجهة وفق محددات قانونية صارمة:
توزيع الاختصاصات: ضبط التماس بين الصلاحيات السيادية للدولة (الدفاع، الخارجية، العملة، والثوابت الروحية) وبين الاختصاصات الواسعة للجهة في تدبير الشأن المحلي.
الاستقلال التدبيري والمالي: إرساء قواعد “التمكين المالي” التي تضمن للجهة مواردها الخاصة، وقدرتها على رسم سياسات تنموية مستقلة، مع الحفاظ على وحدة السيادة الوطنية.
آليات الرقابة التشاركية: خلق توازن قانوني بين حرية القرار المحلي وبين آليات المحاسبة والمسؤولية، لضمان نجاعة المؤسسات المنتخبة.
ثانياً: التنمية كأداة للشرعية الميدانية
تثبت الدينامية الحالية في الصحراء المغربية أن التنمية ليست “نتيجة” تنتظر نهاية التفاوض، بل هي فعل استراتيجي يرسخ الانتماء. المدن الجنوبية اليوم (العيون، الداخلة، بوجدور) لم تعد فضاءات انتظار، بل أضحت “مختبرات مفتوحة” للجهوية المتقدمة:
البنى التحتية الاستراتيجية: الموانئ والأقطاب الجامعية والمراكز الاستثمارية هي التي تصنع “الواقع السياسي” الجديد.
توطين النخب: تولي أبناء المنطقة تدبير شؤونهم عبر المجالس المنتخبة يمنحهم “شرعية الميدان”، وهي شرعية تتجاوز السجالات النظرية حول التمثيلية، وتضع أي مسار تفاوضي مستقبلي أمام حقيقة أن الأرض تتحرك بوتيرة أسرع من إيقاع الطاولات المستديرة.
ثالثاً: أفق التمكين.. الاستقرار كغاية أسمى
إن الانتقال من منطق “حل النزاع” إلى منطق “تثبيت الاستقرار المستدام” يقتضي ربط الحكم الذاتي بنضج اجتماعي شامل. فالرهان الحقيقي اليوم يتجلى في:
الاستثمار في الإنسان: جعل المواطن في الأقاليم الجنوبية هو المحرك والهدف من الحكم الذاتي عبر التعليم والتكوين والتشغيل.
تعميق اللامركزية: تحويل الحكم الذاتي من “نص قانوني” إلى “ممارسة يومية” يشعر من خلالها المواطن بقدرته على التأثير في مستقبله.
النموذج المغربي المتكامل: تقديم الصحراء كبوابة قارية واقتصادية، مما يعزز موقع المغرب كقوة إقليمية صاعدة تربط العمق الأفريقي بالمجال الأطلسي.
لحظة الحسم الاستراتيجي
نحن أمام لحظة مفصلية تتطلب يقظة سياسية عالية وجرأة في التنفيذ. إن التاريخ لا يمنح الفرص مرتين، والتحولات الدولية تجعل من تنزيل الحكم الذاتي برؤية مغربية استباقية ضرورة استراتيجية لا خياراً مؤجلاً. بين دينامية الداخل وإشارات الخارج، يتشكل أفق جديد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها على أساس الشراكة والتمكين، محولاً الحكم الذاتي من “مبادرة على الطاولة” إلى “واقع مؤسساتي راسخ في الأرض”