آفة التصنيف وانحدار الأخلاق:
اعداد…د_مصطفى_أبوسعد
في كل عصر تظهر فئة مولعة بتصنيف الناس أكثر من اهتمامها بفهمهم. لا تنشغل بالعلم الذي يحمله الإنسان، ولا بالأخلاق التي يتعامل بها، بل بالانتماء الفكري الذي يضعه في خانةٍ ما: معنا أو ضدنا، من جماعتنا أو من غيرها. وحين يتحول الفكر إلى معيارٍ وحيد للحكم على الناس، تضيق مساحة العدل، وتغيب روح الإنصاف.
من منظورٍ شرعي، هذا المسلك يناقض أصلًا عظيمًا من أصول الإسلام: العدل مع الناس. يقول الله تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
فالعدل في الحكم على الناس لا يتغير باختلافهم معنا، ولا بتباين اجتهاداتهم، بل يبقى معيارًا ثابتًا. ولذلك كان علماء الإسلام الكبار يفرقون دائمًا بين نقد القول و الطعن في القائل، وبين مناقشة الفكرة و إلغاء صاحبها.
كما أن الشريعة حذرت من آفة اللمز والتنابز بالألقاب، فقال تعالى:
﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾.
وليس المقصود مجرد الألفاظ الجارحة، بل كل خطاب يحوّل الاختلاف الفكري إلى سخرية أو تحقير أو تجريد للإنسان من كرامته. ولهذا كان السلف يقولون: “ليس العاقل من يعرف الخير من الشر، ولكن العاقل من يعرف خير الخيرين وشر الشرين.” وهي قاعدة في فقه التوازن لا في ثقافة التصنيف.
ومن زاوية مقاصدية، فإن هذه الظاهرة تضرب ثلاثة مقاصد كبرى من مقاصد الشريعة:
أولاً: حفظ الكرامة الإنسانية.
فالإنسان مكرَّم بنص القرآن: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾. والتصنيف المهين أو إطلاق الأوصاف الجارحة يخرق هذا المقصد ويحول الخلاف العلمي إلى خصومة أخلاقية.
ثانياً: حفظ وحدة المجتمع.
حين تنتشر لغة التصنيف والتخوين، يتحول المجتمع إلى جزر متناحرة، ويصبح الاختلاف مصدر قطيعة لا مصدر إثراء. بينما المقصد الشرعي يهدف إلى بناء مجتمع متماسك يتسع للاجتهاد والتنوع.
ثالثاً : حفظ العقل والمنهج العلمي.
لأن ثقافة التصنيف تختصر التفكير في قوالب جاهزة: هذا معنا إذن هو صواب، وهذا ليس منا إذن هو باطل. بينما المنهج العلمي الذي عرفته حضارتنا الإسلامية يقوم على النظر في الدليل، لا في هوية القائل.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها كثيرًا ما تصيب بعض الفضلاء دون أن يشعروا؛ حين يتحول الدفاع عن الحق – في نظرهم – إلى تعالٍ أخلاقي أو احتكار للفهم. فيرتفع الخطاب من مستوى الحوار إلى مستوى الإدانة، ومن مساحة العلم إلى أبراج الاستعلاء.
ولهذا كان من علامات النضج العلمي التي ذكرها العلماء: التواضع للحق، والإنصاف مع المخالف. قال الإمام الشافعي رحمه الله:
“ما ناظرت أحدًا إلا تمنيت أن يظهر الله الحق على لسانه.”
وهذه ليست عبارة أدبية، بل منهج كامل في أدب الاختلاف.
إن المجتمعات لا تنهض حين يصبح الناس نسخًا متطابقة، بل حين تتسع لمدارس متعددة يجمعها الاحترام والعدل. فالاختلاف سنة إنسانية، أما الاستعلاء والتصنيف المهين فآفة أخلاقية.
ولعل القاعدة الذهبية في هذا الباب يمكن تلخيصها في كلمة واحدة:
نناقش الأفكار بصرامة، لكن نحفظ للإنسان كرامته.
فالعلم يزدهر بالحوار، أما التصنيف والتجريح فلا يورثان إلا الضجيج… ويضيعان الحكمة التي جاء الشرع ليحفظها.
————————————————
#د_مصطفى_أبوسعدآفة التصنيف وانحدار الأخلاق:
———————————————
في كل عصر تظهر فئة مولعة بتصنيف الناس أكثر من اهتمامها بفهمهم. لا تنشغل بالعلم الذي يحمله الإنسان، ولا بالأخلاق التي يتعامل بها، بل بالانتماء الفكري الذي يضعه في خانةٍ ما: معنا أو ضدنا، من جماعتنا أو من غيرها. وحين يتحول الفكر إلى معيارٍ وحيد للحكم على الناس، تضيق مساحة العدل، وتغيب روح الإنصاف.
من منظورٍ شرعي، هذا المسلك يناقض أصلًا عظيمًا من أصول الإسلام: العدل مع الناس. يقول الله تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
فالعدل في الحكم على الناس لا يتغير باختلافهم معنا، ولا بتباين اجتهاداتهم، بل يبقى معيارًا ثابتًا. ولذلك كان علماء الإسلام الكبار يفرقون دائمًا بين نقد القول و الطعن في القائل، وبين مناقشة الفكرة و إلغاء صاحبها.
كما أن الشريعة حذرت من آفة اللمز والتنابز بالألقاب، فقال تعالى:
﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾.
وليس المقصود مجرد الألفاظ الجارحة، بل كل خطاب يحوّل الاختلاف الفكري إلى سخرية أو تحقير أو تجريد للإنسان من كرامته. ولهذا كان السلف يقولون: “ليس العاقل من يعرف الخير من الشر، ولكن العاقل من يعرف خير الخيرين وشر الشرين.” وهي قاعدة في فقه التوازن لا في ثقافة التصنيف.
ومن زاوية مقاصدية، فإن هذه الظاهرة تضرب ثلاثة مقاصد كبرى من مقاصد الشريعة:
أولاً: حفظ الكرامة الإنسانية.
فالإنسان مكرَّم بنص القرآن: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾. والتصنيف المهين أو إطلاق الأوصاف الجارحة يخرق هذا المقصد ويحول الخلاف العلمي إلى خصومة أخلاقية.
ثانياً: حفظ وحدة المجتمع.
حين تنتشر لغة التصنيف والتخوين، يتحول المجتمع إلى جزر متناحرة، ويصبح الاختلاف مصدر قطيعة لا مصدر إثراء. بينما المقصد الشرعي يهدف إلى بناء مجتمع متماسك يتسع للاجتهاد والتنوع.
ثالثاً: حفظ العقل والمنهج العلمي.
لأن ثقافة التصنيف تختصر التفكير في قوالب جاهزة: هذا معنا إذن هو صواب، وهذا ليس منا إذن هو باطل. بينما المنهج العلمي الذي عرفته حضارتنا الإسلامية يقوم على النظر في الدليل، لا في هوية القائل.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها كثيرًا ما تصيب بعض الفضلاء دون أن يشعروا؛ حين يتحول الدفاع عن الحق – في نظرهم – إلى تعالٍ أخلاقي أو احتكار للفهم. فيرتفع الخطاب من مستوى الحوار إلى مستوى الإدانة، ومن مساحة العلم إلى أبراج الاستعلاء.
ولهذا كان من علامات النضج العلمي التي ذكرها العلماء: التواضع للحق، والإنصاف مع المخالف. قال الإمام الشافعي رحمه الله:
“ما ناظرت أحدًا إلا تمنيت أن يظهر الله الحق على لسانه.”
وهذه ليست عبارة أدبية، بل منهج كامل في أدب الاختلاف.
إن المجتمعات لا تنهض حين يصبح الناس نسخًا متطابقة، بل حين تتسع لمدارس متعددة يجمعها الاحترام والعدل. فالاختلاف سنة إنسانية، أما الاستعلاء والتصنيف المهين فآفة أخلاقية.
ولعل القاعدة الذهبية في هذا الباب يمكن تلخيصها في كلمة واحدة:
نناقش الأفكار بصرامة، لكن نحفظ للإنسان كرامته.
فالعلم يزدهر بالحوار، أما التصنيف والتجريح فلا يورثان إلا الضجيج… ويضيعان الحكمة التي جاء الشرع ليحفظها..