الخطر الذي يهدد بيوتنا
د.عبدالكريم بكار
هل تساءلنا يوماً لماذا تضخ المؤسسات الإعلامية مليارات الدولارات لإنتاج مئات الأعمال الدرامية في شهرٍ واحد فقط؟ هل هو كرمٌ مفاجئ لترفيهنا، أو هي (عملية إشغال استراتيجي) لعقل الأمة في أثمن أوقاتها؟
الحقيقة التي يجب أن نواجهها هي أننا نعيش في عصر (استنزاف الانتباه)؛ حيث أصبح عقل الإنسان هو السلعة الأغلى. نحن نبني “عضلة الإرادة” في النهار بصيامنا، ثم نأتي في الليل لنصيبها بـ (الشلل) أمام تدفق الصور الذي لا يتوقف. نحن لا نضيع أوقاتنا فحسب، بل نفقد القدرة على قول “لا” لشهوة الانغماس في الخيال.
إن الخطر الحقيقي الذي يهدد بيوتنا هو (التطبيع بالاعتياد)؛ فحين نشاهد في كل ليلة “الخيانة” تُصور كمعاناة، و”العقوق” كحق، و”التفسخ” كحرية، فإن معاييرنا الأخلاقية تبدأ بالتآكل ببطء. نحن لا نشاهد “قصة”، بل نتلقى (إعادة صياغة) صامتة لمفاهيمنا عن الحلال والحرام، حتى يصبح المنكر في أعيننا مجرد “وجهة نظر”.
لماذا نترك عقول أبنائنا نهباً لجهات لا نعرف غاياتها؟ نحن نبذل الغالي والنفيس لتوفير الغذاء لأجسادهم، ولكننا نسمح لغيرنا أن “يغذي قيمهم”. الحقيقة المُرّة التي يجب أن نعترف بها: نحن نبني الجدران، والدراما تهدم الإنسان.
رمضان هو مدرستنا لتعلم (الاستغناء)، والسيادة فيه ليست لمن يتابع أكثر، بل لمن يملك القدرة على (إغلاق الشاشة) ليفتح آفاق عقله. مَن لم يتقن منا فن “إغلاق الشاشة”، سيظل دوماً تابعاً لقصص الآخرين، ولن يكتب أبداً قصة نجاحه الخاصة.
علينا أن نخرج من دائرة “المستهلك المستسلم” إلى رحاب “الإنسان المسؤول”؛ فالمستقبل لا يُبنى بالعيون المسمّرة أمام الشاشات، بل بالنفوس التي تعودت السمو والترفع.
لنسترد أوقاتنا.. فقد كاد السارق أن يصل إلى العمق.