🇲🇦 *الحلقة العشرون : توصيات ومقترحات موجّهة للنخب الفكرية والثقافية الوطنية:
اعداد، المهندس عبدالله ايت شعيب.
يوم الأحد 08 فبراير 2026.
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
إخوتي وأخواتي في ربوع الوطن وخارجه،
أهلنا الكرام في الصحراء المغربية،
إخواننا في مخيمات تندوف،
لقد أخذتنا هذه السلسلة في رحلة طويلة وعميقة عبر عشرين حلقة، استعرضنا خلالها مختلف أبعاد قضية مغربية الصحراء، وسلّطنا الضوء على الأسباب التي ما زالت تغذي النزعات الانفصالية بعد خمسين سنة من استرجاع الأقاليم الجنوبية.
بدأنا بهمسات للمواطن الصحراوي، ثم مع السلطات العمومية والمجالس المنتخبة، ثم تابعنا دور شيوخ القبائل والأعيان، والفاعلين الجمعويين في المجتمع المدني، قبل أن نركز على الإعلام ووسائل التواصل المحلية، ثم الأحزاب السياسية، لنكشف كيف يمكن لكل فاعل أن يساهم في تحصين الوحدة الترابية وبناء الانتماء الوطني.
في هذه الحلقة، سنقدّم توصيات ومقترحات عملية للنخب الفكرية والثقافية، لاستكمال دائرة الفاعلين الذين تناولتهم الحلقات السابقة، ونسعى من خلالها إلى تحويل خطاب الانتماء الوطني من مجرد شعارات إلى واقع ملموس في وجدان المواطنين، وبخاصة الشباب في الأقاليم الجنوبية ومخيمات تندوف.
فلنستعد معًا للغوص في هذا الفضاء الفكري، بعين ناقدة وقلب منفتح، لنرى كيف يمكن للنخب الفكرية والثقافية أن تؤطر وتكمل ما بدأه الإعلام، والأحزاب، والجمعيات، والمؤسسات، وأن تصنع تأثيرًا دائمًا ومستدامًا في صيانة الوحدة الترابية وبناء وطن متلاحم ومتماسك.
*توصيات ومقترحات موجّهة للنخب الفكرية والثقافية الوطنية :*
تتحمّل النخب الفكرية والثقافية مسؤولية تاريخية مضاعفة في القضايا المصيرية، بحكم ما تمتلكه من سلطة رمزية، وما تضطلع به من أدوار محورية في توجيه النقاش العمومي، وصياغة المعنى، وبناء التمثلات الجماعية. وفي مثل هذه القضايا، لا يُعدّ الصمت موقفًا محايدًا، بل يتحوّل – عن قصد أو غير قصد – إلى شكل من أشكال التقصير في أداء الواجب الفكري والأخلاقي.
كما يجب التذكير بأن النخب الوطنية، في نهاية المطاف، ليست مطالَبة بترديد الخطاب الرسمي، ولا بمعاداته، بل بترشيده، وتعميقه، وتقويته بالحجة والمعرفة، لأن معركة الصحراء ليست فقط معركة دبلوماسية أو قانونية، بل هي – في جوهرها – معركة وعي، وذاكرة، ومعنى.
وانطلاقًا من هذا الوعي بالمسؤولية، يُنتظر من النخب الفكرية والثقافية ما يلي:
• *الانخراط الواعي والمسؤول في النقاش العمومي حول قضية الصحراء المغربية*، انخراطًا يقوم على التحليل الرصين والتفكير النقدي، لا على منطق الاصطفاف الإيديولوجي الضيق، ولا على الحسابات الظرفية أو المزايدات الخطابية.
• *إنتاج خطاب معرفي نقدي ومؤسَّس علميًا*، يسهم في تحصين الوعي الجماعي، ويعمل على تفكيك الأطروحات الانفصالية من داخل بنيتها الفكرية والحجاجية، دون شيطنة أو تبسيط مخلّ، وبعيدًا عن منطق التخوين أو الإقصاء، بما يعزز قوة الحجة بدل رفع منسوب الانفعال.
• *نقل الذاكرة التاريخية الحقيقية للنزاع إلى الأجيال الصاعدة*، باعتبارها ذاكرة وطنية مشتركة، تُبنى على التوثيق، والاستحضار الأمين للوقائع، وربط الماضي بسياقاته، بعيدًا عن التزييف المتعمد أو النسيان الانتقائي الذي يفتح المجال أمام السرديات المضللة.
• *المساهمة الفاعلة في بناء جسور الحوار داخل المجتمع الصحراوي نفسه، وبين الأقاليم الجنوبية وباقي جهات المملكة*، بما يعزز منطق الثقة المتبادلة، ويُقوّي الإحساس بالمصير المشترك، ويقطع الطريق أمام كل أشكال العزلة أو القطيعة الرمزية.
• *الاضطلاع بدور الوسيط الأخلاقي والفكري بين الدولة والمجتمع*، عبر التنبيه الصريح إلى الاختلالات، والمساهمة في اقتراح البدائل والحلول الواقعية، دون عداء مؤدلج للدولة، ولا تبرير أعمى لسياساتها، وبما يحفظ استقلالية الفكر وصدقيته.
• *ترشيد الخطاب الوطني حول الصحراء:* الدعوة إلى اعتماد لغة دقيقة ومسؤولة في تناول قضية الصحراء، خاصة من قبل النخب المؤثرة، والامتناع عن التوصيفات التعميمية الجارحة التي تمسّ الكرامة الجماعية، لما لها من أثر عكسي على الوجدان الصحراوي وعلى فرص الاحتواء والإقناع.
• *إدماج البعد الإنساني والسوسيولوجي في الدفاع عن مغربية الصحراء* : وذلك بالتأكيد على أن الدفاع عن مغربية الصحراء لا يكتمل دون فهم عميق للبنية القبلية، والروابط العائلية العابرة للحدود، والخصوصيات النفسية والثقافية للمجتمع الصحراوي؛ وتشجيع مقاربات تحليلية متعددة التخصصات (سوسيولوجية، أنثروبولوجية، نفسية) تُغني الخطاب السياسي والقانوني، وتمنحه بعدًا إنسانيًا أكثر إقناعًا.
• *إعادة ضبط المفاهيم والمصطلحات المتداولة* : التمييز الصريح بين المرتزقة الحقيقيين الذين تم استقدامهم من دول أخرى لخدمة أجندات انفصالية وتضليل الرأي العام الدولي، وبين الصحراويين المغرَّر بهم أو الخاضعين للإكراه داخل المخيمات؛ والدعوة إلى تحرير معجم وطني مسؤول حول قضية الصحراء، يراعي الدقة المفاهيمية، ويحمي الخطاب الوطني من الانزلاق الأخلاقي أو الشعبوي.
• *تأهيل النخب والإعلاميين في مقاربة القضية*: تنظيم دورات تكوينية ولقاءات تحسيسية لفائدة الإعلاميين، والفاعلين الحقوقيين، وصنّاع الرأي، حول حساسية الخطاب الموجّه للمجتمع الصحراوي، والآثار النفسية والاجتماعية للغة الإقصاء والتجريح، وتشجيع الإعلام على الانتقال من منطق التعبئة الانفعالية إلى منطق الإقناع الهادئ وبناء الثقة.
• *تعزيز خطاب الاحتواء بدل المواجهة*، وذلك باعتماد خطاب وطني يقوم على الاحتواء والإنصات والاعتراف بالألم الإنساني الناتج عن التمزق العائلي، بدل خطاب الإدانة الجماعية، وإبراز أن الدولة المغربية تكسب معركة الصحراء ليس فقط بالقوة القانونية والدبلوماسية، بل أيضًا بقدرتها على احتضان أبنائها المختلفين، واحترام كرامتهم، وفتح أفق العودة دون إذلال.
• *فتح فضاءات حوار غير مؤدلجة* : تشجيع مبادرات حوارية داخل المجتمع الصحراوي، ومع نخب من خارج الأقاليم الجنوبية، تقوم على الاستماع المتبادل، تفكيك الصور النمطية، إعادة بناء الثقة الوطنية على أساس المشترك الإنساني، ودعم الأدوار الوسيطة للباحثين، والمثقفين، وشيوخ القبائل، وفاعلي المجتمع المدني.
• *اعتبار قضية الصحراء معركة وعي طويلة النفس:* التأكيد على أن قضية الصحراء هي معركة وعي وذاكرة وقلوب، تتطلب نفسًا طويلًا، وحكمة في الخطاب، وتراكمًا في الإقناع، والانتقال من منطق “الانتصار الخطابي السريع” إلى استراتيجية وطنية هادئة تراهن على الزمن، والعقل، والكرامة الإنسانية.
*خلاصة القول،* إن معركة الصحراء ليست فقط معركة سيادة وحدود، بل هي معركة احتواء وإنصات وربح للقلوب قبل كسب المواقف. وكل خطاب وطني لا يراعي هذا البعد الإنساني، مهما كانت نواياه صادقة، يظل خطابًا ناقص الأثر، محدود الجدوى.
*خاتمة الحلقة العشرون:*
إخوتي وأخواتي،
أهلنا الكرام في الصحراء المغربية،
إخواننا في مخيمات تندوف،
ها نحن نصل إلى نهاية هذه الحلقة العشرون، آخر حلقات محور التوصيات والمقترحات الموجّهة لمختلف الفاعلين، حيث ركزنا على النخب الفكرية والثقافية الوطنية، باعتبارها الركيزة الفكرية والرمزية التي تُكمّل ما بدأه الإعلام والأحزاب والجمعيات والمجالس المنتخبة في بناء الانتماء الوطني وصيانة الوحدة الترابية.
لقد حاولنا في هذه الحلقة تحديد أدوار ومسؤوليات النخب، وتقديم مقترحات عملية لتقوية خطاب الانتماء، وتحصين الوعي الجماعي، وبناء جسور الثقة بين المواطنين والدولة، خصوصًا في الأقاليم الجنوبية ومخيمات تندوف.
وخلصنا إلى أن معركة الصحراء ليست مجرد معركة سيادة وحدود، بل هي معركة وعي، وذاكرة، وقيم إنسانية، ونفس طويل، تتطلب استراتيجية وطنية هادئة تراهن على العقل والكرامة، لا على الانفعال العابر أو الانتصارات الخطابية المؤقتة.
لكن، كما أشرنا دائمًا في حلقات هذه السلسلة، كل الجهود السابقة – مهما كانت مدروسة – تبقى غير مكتملة إذا لم تُصحَب بالجرأة على قول الحقيقة والتنبيه إلى أي انزلاقات فكرية أو اجتماعية في بداياتها. ومن هنا، تأتي الحلقة القادمة – الحلقة الحادية والعشرون – بعنوان: *“تنبيه لابد منه: لا للصمت على الانزلاقات – قول الحقيقة مهما كانت مرة”،* لتكون جسراً بين التوصيات العملية وخطوة المواجهة المبكرة للأفكار الهدّامة، حفاظًا على وحدة الوطن وصيانة مستقبل الأجيال.
فلنستعد معًا، إذن، لاستقبال الحلقة الحادية والعشرون بعين صادقة وقلب متفتح، مستعدين لقبول الحقائق، والتعامل مع التحديات بروح وطنية مسؤولة، بعيدة عن التهويل أو التعميم، ومتجهة دائمًا نحو تعزيز الانتماء الوطني وحماية وحدة الصحراء والمملكة بأسرها .