⛔ *تذكير باستهلال لابد منه:*⛔
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
*والله إن قضايا وطننا الكبرى، وعلى رأسها قضية وحدتنا الترابية، لا يمكن أن تُدار بالمسكنات الخطابية، ولا بالمجاملات السياسية، ولا بالصمت المريح، إن كنا فعلًا نطمح إلى إنهاء صراع مفتعل امتد لأكثر من نصف قرن، واستنزف الطاقات والفرص، وترك ندوبًا في الوعي والوجدان.*
*إنها قضايا لا تُعالج إلا بالصراحة الشجاعة، وبقول ما يجب قوله دون مواربة أو حسابات ضيقة، لأن الحقيقة المؤجلة تتحول إلى أزمة، والصدق المؤجل يتحول إلى ثمن باهظ تدفعه الأجيال.*
*ولذلك، سأقول ما يجب أن يُقال، حسب تقديري ومسؤوليتي الفكرية والوطنية، دون استهداف لأحد، ودون تبرئة لأحد، لأن الوطن أكبر من الجميع، ولأن الصمت في القضايا المصيرية شكل من أشكال التواطؤ غير المقصود.*
اخوكم المهندس عبدالله ايت شعيب.
يوم الخميس 29 يناير 2026.
🇲🇦🇲🇦 *نداء الضمير الوطني: من المسؤول عن استمرار النزعات الانفصالية بعد خمسين سنة من استرجاع الأقاليم الجنوبية؟
🇲🇦 *الحلقة الحادية عشرة : الأسئلة أكثر إلحاحًا وحساسية في هذا السياق الوطني الدقيق.
🇲🇦 *أسئلة جماعية بامتياز، لا تعفي أحدًا من المسؤولية، وتسائل منظومة متكاملة من الفاعلين، كلٌّ من موقعه ودوره.
يوم الخميس 19 يناير 2026.
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
إخوتي وأخواتي المواطنين داخل وخارج الوطن،
أهلنا الكرام في الصحراء المغربية،
بعد أن توقّفت الحلقة العاشرة عند سؤال بالغ الحساسية: *من قد يستفيد من استمرار الالتباس؟*، وما يحمله هذا السؤال من دلالات مرتبطة بتطبيع الاختلال، والتعايش الصامت مع مظاهره، بل أحيانًا إدارة نتائجه بدل معالجته من جذوره، يصبح من غير الكافي الاكتفاء بمنطق البحث عن المستفيد أو تشخيص مواطن الخلل بمعزل عن الإطار الأشمل.
ذلك أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في وجود مظاهر انفصالية أو التباس في الوعي، بل في تحوّل هذا الوضع إلى حالة عادية، تُتداول دون مساءلة جماعية، وكأنها قدر محتوم لا فاعلين وراءه، ولا مسؤوليات تتقاطع في إنتاجه أو في استمراره.
ومن هنا، تفرض الحلقة الحادية عشرة وما بعدها نفسها كامتداد طبيعي وضروري لما سبقها، لا لتوسيع دائرة الاتهام، ولا لنقل النقاش إلى منسوب أعلى من التشنج، بل للانتقال الهادئ والواعي من سؤال “من قد يستفيد؟” إلى سؤال أكثر عمقًا وإنصافًا:
*كيف تتقاطع المسؤوليات؟ وأين يقف دور كل فاعل في منظومة وطنية يُفترض أنها معنية، بدرجات متفاوتة، بحماية الوعي الجماعي وصيانة الانتماء؟
إنها حلقة لا تُخاطب طرفًا بعينه، بل تُوجّه مساءلتها إلى منظومة كاملة من الفاعلين، داخل الأقاليم الجنوبية وخارجها، باعتبار أن القضايا الوطنية الكبرى لا تُحمى بجهة واحدة، ولا تُهدَر بفعل جهة واحدة، بل تُصان أو تُهدر بقدر ما يتحمّل كل فاعل مسؤوليته الأخلاقية، والتاريخية، والمؤسساتية.
بهذا المعنى، تشكّل هذه الحلقة انتقالًا من التشخيص الجزئي إلى المساءلة الجماعية، ومن البحث في الأعراض إلى تفكيك البنية، ومن الانفعال المشروع إلى التفكير المسؤول، في أفق بناء وعي وطني متماسك، قادر على التحصين لا على ردّ الفعل فقط.
إخواني، أخواتي الأفاضل،
اسمحوا لي بأن أؤكد مرة أخرى بإن هذه الأسئلة لا تُوجَّه إلى جهة بعينها، ولا تروم جلد الذات أو التقليل من شأن المنجزات الوطنية الكبرى التي تحققت، بقدر ما تهدف إلى تشخيص صريح وهادئ لواقع مقلق، وإلى دق ناقوس التنبيه إزاء الهوة المتنامية بين الخطاب الوطني الرسمي، بما يحمله من وضوح وثبات، وبين التمثل الفعلي لهذا الخطاب لدى بعض الفئات في الأقاليم الجنوبية.
وهي، في جوهرها، أسئلة جماعية بامتياز، لا تعفي أحدًا من المسؤولية، وتسائل منظومة متكاملة من الفاعلين، كلٌّ من موقعه ودوره، وفي مقدمتهم :
*الأسرة، باعتبارها الحاضنة التربوية الأولى، والمسؤولة عن غرس قيم الانتماء، والاعتزاز بالوطن، وبناء التوازن النفسي والهوياتي للأبناء منذ الطفولة؛
*المدرسة والمؤسسات التعليمية والثقافية والدينية ، في مناهجها، وطرق اشتغالها، وأدوارها القيمية والتكوينية، ومدى قدرتها على الانتقال من التلقين النظري إلى بناء وعي نقدي ووطني متين، يربط المعرفة بالانتماء، والتاريخ بالمسؤولية؛
*الإعلام ، في مسؤوليته التنويرية والتأطيرية، وفي قدرته على مخاطبة الشباب بلغة صادقة، قريبة من واقعهم، بعيدًا عن التبسيط المخل أو الخطاب المناسباتي، وتحمله لمسؤوليته في مواجهة التضليل والدعاية الانفصالية بذكاء ومهنية؛
*النخب الفكرية والسياسية ، في مدى قربها الحقيقي من الشباب، وقدرتها على فهم انتظاراتهم، ومخاوفهم، وأسئلتهم الوجودية، وتأطيرهم تأطيرًا مستمرًا ومنهجيًا، لا ظرفيًا ولا مناسباتيًا، ولا محكومًا بمنطق الاستهلاك الخطابي؛
*القبائل وشيوخها، في مدى اضطلاعهم بدورهم التاريخي والأخلاقي في تحصين أبنائهم، وصيانة الروابط الوطنية الجامعة، واستثمار ما تبقى من رصيد الاحترام والرمزية والامتداد الاجتماعي في مواجهة الخطابات الهدّامة، داخل المدن الصحراوية وخارجها.
*كما تتوجّه هذه الأسئلة، وبإلحاح كبير، إلى النسيج الجمعوي المحلي بالأقاليم الجنوبية ، ذلك النسيج الواسع والمتعدد، والذي يضمّ، بكل إنصاف، جمعيات جادة وفاعلة، أثبتت في الميدان صدق التزامها، وقربها من الشباب وعموم المواطنين، وحرصها الحقيقي على خدمة الوطن، وبناء الوعي، وتعزيز الانتماء، وغرس قيم المواطنة الصادقة. وهي جمعيات مشهود لها بالعمل الميداني، وبالاستمرارية، وبالأثر الإيجابي الملموس في محيطها الاجتماعي.
غير أن هذا التنويه الصادق لا يمنع من طرح السؤال الجوهري على باقي الجمعيات التي تستفيد من دعم عمومي سخي، مباشر وغير مباشر، من ميزانيات الدولة، والجماعات الترابية، والمؤسسات العمومية:
*ما هو الأثر الحقيقي لدعم الجمعيات المحلية بالاقاليم الجنوبية للمملكة على مستوى المساهمة في تأطير الشباب والنساء وعموم المواطنين، وبناء الوعي الوطني، ومواجهة النزعات الانفصالية؟
*وتسائل هذه الأسئلة، كذلك، الأحزاب السياسية ، باعتبارها مسؤولة دستوريًا عن المساهمة في تأطير المواطنات والمواطنين، وفي تكوين الوعي السياسي وترسيخ قيم المواطنة والانتماء. *فإلى أي حدٍّ اضطلعت الأحزاب، ولا سيما في الأقاليم الجنوبية، بدورها الحقيقي في محاصرة النزعات الانفصالية، عبر خطاب سياسي واضح، ومسؤول، ومستمر، لا يكتفي بالشعارات العامة ولا بالمواقف الموسمية؟*
*وأين هي استراتيجياتها الميدانية لتأطير الشباب، وفتح فضاءات الحوار والنقاش، وتفكيك الخطاب الانفصالي بالحجة والمعرفة ؟ ثم إلى أي مدى أسهمت الممارسة الحزبية اليومية، وسلوك المنتخبين، في تعزيز الثقة في العمل السياسي، باعتبارها خط الدفاع الأول ضد الإحباط والتهميش، اللذين يشكلان تربة خصبة لتنامي النزعات الانفصالية؟
*كما تسائل، بالقدر نفسه، المجالس المنتخبة ، التي وُضعت رهن إشارتها أموال طائلة من المال العام، تحت عناوين التنمية، والتأهيل، والأنشطة الثقافية والاجتماعية، والشبابية.
*إلى أي حدٍّ تم توظيف هذه الموارد في مشاريع ذات أثر تربوي وثقافي حقيقي؟ وأين موقع الاستثمار في الإنسان، وفي تحصين الوعي، وفي بناء مواطنة فاعلة، ومحاصرة النزعات الانفصالية، ضمن أولويات التدبير المحلي؟ وهل يكفي تشييد البنيات، دون مواكبة بشرية وفكرية، لضمان الاستقرار والانتماء؟
وفي هذا السياق، أريد ان اذكر السادة المنتخبين، خاصة السادة رؤساء المجالس المحلية، والسادة الولاة والعمال بأقاليمنا الجنوبية ، بأن أضواءَ وخُضرةَ شوارعِ وحدائقِ وساحاتِ مدنِ العيونِ والسمارةِ والداخلةِ وبوجدور، مهما بلغت من جمالٍ ورونق، يجب أن تُوازيَها ـ بل وتسبقَها ـ أنوارٌ في العقول، وبهجةٌ صادقةٌ في القلوب، تُغذّي الإحساس بالانتماء، وتُرسّخ الثقة في الوطن، وتحوّل التنمية من مشهدٍ عمرانيٍّ جميل إلى معنى إنسانيٍّ عميق، يعيش فيه المواطن الصحراوي كرامته كاملة غير منقوصة، ويشعر معه الشاب الصحراوي بأن الوطن لا يطالبه فقط بالانتماء إليه، بل يحتضنه، ويعترف به، ويسكنه كما يسكن هو الوطن.
وإذا كانت الدولة قد نجحت، وبجدارة، في تشييد العمران وتحديث الفضاء، فإن الرهان اليوم ـ والأكثر إلحاحًا ـ هو أن ننجح جميعًا في تشييد الإنسان، وبناء الوعي، وصناعة بهجة داخلية راسخة، لا تطفئها الدعاية، ولا تخترقها الخطابات الهدّامة، ولا تزعزعها حملات التضليل ونزعات الانفصال.
لأن المدن تُضاء بالكهرباء، أمّا الأوطان فلا تُضاء إلا بالثقة، والعدل، والإنصاف، وصدق الانتماء، ولا تُحصَّن إلا حين يشعر أبناؤها، في الصحراء كما في باقي ربوع الوطن، أنهم شركاء في الحلم، ومتساوون في الكرامة، وآمنون في الانتماء.
• كما يتوجّه هذا النداء، وبنفس القدر من الصراحة والمسؤولية، إلى *النخب الوطنية خارج الأقاليم الجنوبية*، من سياسيين، ومثقفين، وإعلاميين، وفاعلين حقوقيين، ممن يتناولون قضية الصحراء المغربية من مواقع التأثير والتأطير والرأي العام. وذلك انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الدفاع عن مغربية الصحراء لا يقتصر على صلابة الموقف السياسي أو قوة الحجة القانونية، بل يقتضي، بالقدر نفسه، *وعيًا عميقًا بالخصوصيات النفسية والسوسيولوجية والثقافية التي تؤطر المجتمع الصحراوي، وبحساسية بنيته القبلية، وتشابك روابطه العائلية والإنسانية عبر الحدود.*
*فهل نُدرك دائمًا، في خطابنا الوطني، أن كثيرًا من الصحراويين، رغم رفضهم للطرح الانفصالي، تجمعهم روابط دم، ونسب، وقرابة، ومصاهرة مع أشخاص يوجدون داخل مخيمات تيندوف ويتبنون الطرح الانفصالي؟*
*وهل ننتبه إلى أن بعض الأوصاف الجارحة أو التوصيفات التعميمية في حق الانفصاليين، مهما كانت دوافعها وطنية، قد تُحدث شرخًا نفسيًا عميقًا، وتُسيء إلى وجدان وكرامة أسر صحراوية ممزقة بين الرابوني والعيون، وبين المخيمات وباقي مدن الوطن؟*
*إن توصيفات من قبيل: “الخونة”، أو “المرتزقة”، أو “مخيمات الذل والعار”، أو غيرها من النعوت القاسية، حين تُستعمل دون تمييز، ودون وعي بسياقها الاجتماعي والإنساني، قد تُربك الخطاب الوطني أكثر مما تخدمه، وتُغلق أبواب الإقناع بدل فتحها، وتُعمّق الجراح بدل تضميدها، خاصة حين تصدر عن نخب يُفترض فيها الحكمة، والبصيرة، والمسؤولية الأخلاقية.*
*للتوضيح من يمكننا وصفهم بالمرتزقة هم من تم استقدامهم من دول أخرى، وهم كثر، إلى مخيمات تيندوف لتضليل الرأي العام الدولي*.
وبالتالي، فإن معركة الصحراء ليست فقط معركة سيادة وحدود، بل هي أيضًا معركة احتواء، وإنصات، واحترام للكرامة، وربح للقلوب قبل كسب المواقف.
إخوتي وأخواتي الأفاضل،
بهذا القدر من الصراحة والوضوح، تكون الحلقة الحادية عشرة قد بلغت غايتها، ليس بإصدار أحكام جاهزة، ولا بتوجيه اتهامات مباشرة، بل باستكمال مسارٍ ضروري من التشخيص العميق، والتساؤل المسؤول، والمساءلة الجماعية، التي لا تستهدف أشخاصًا ولا مؤسسات بعينها، بقدر ما تُسلّط الضوء على منظومة متشابكة من الأدوار والمسؤوليات، تَقاطعت – عن قصد أو عن غير قصد – في إنتاج واقع مقلق لا يجوز إنكاره ولا التعايش معه.
لقد حاولت هذه الحلقة أن تُخرج النقاش من ثنائية التبسيط والاختزال، ومن منطق البحث عن “الفاعل الوحيد” أو “الطرف المذنب”، إلى أفق أوسع وأصدق، قوامه الإقرار بأن القضايا الوطنية الكبرى لا تختزل في جهة واحدة، ولا تُحمى بجهة واحدة، ولا تُهدَر بفعل جهة واحدة، بل تُصان أو تُضعف بقدر ما ننجح – أو نفشل – جميعًا في تحمّل مسؤولياتنا الأخلاقية والتاريخية والمؤسساتية.
وإذا كان هذا المسار من الأسئلة قد بدا للبعض قاسيًا أو مزعجًا، فإن إزعاج الضمير أحيانًا هو شرط اليقظة، وإن *القلق الواعي خير من الاطمئنان الزائف.* لأن أخطر ما قد يصيب القضايا العادلة ليس خصومها، بل اعتيادُنا نحن على اختلالاتها، وتطبيعُنا مع أعطابها، وتأجيلُنا الدائم لمعالجتها الجذرية.
من هنا، فإن هذه الحلقة تُعلن، بوضوح ومسؤولية، نهاية مرحلة التشخيص والتساؤل، بكل ما حملته من أسئلة حرجة، وملاحظات مؤلمة، وتنبيهات لا تحتمل التأجيل. لكنها، في الوقت ذاته، لا تُغلق النقاش، بل تفتح الباب أمام المرحلة الأهم والأكثر حساسية: مرحلة البناء، والاقتراح، وتحويل الوعي إلى فعل.
وفي هذا الأفق، تأتي *الحلقة الثانية عشرة* لتُشكّل انتقالًا نوعيًا من السؤال إلى الجواب، ومن القلق إلى الأفق، ومن تشريح الواقع إلى اقتراح مسارات عملية لتصحيحه.
حلقة تُدشّن محور التوصيات والمقترحات، لا بوصفها شعارات عامة أو أمنيات نظرية، بل باعتبارها اختيارات استراتيجية، ورهانات واقعية، تستند إلى ما سبق من تشخيص، وتستهدف تحصين الداخل، وبناء الإنسان، وربح معركة الوعي والانتماء.
فإلى *الحلقة الثانية عشرة،* إن شاء الله، حيث نغادر منطق التساؤل القَلِق، وندخل فضاء المسؤولية العملية، لأن الوطن لا يحتاج فقط إلى من يُشخّص علله، بل إلى من يقترح سُبل شفائه .