🇲🇦🇲🇦 *نداء الضمير الوطني: من المسؤول عن استمرار النزعات الانفصالية بعد خمسين سنة من استرجاع الأقاليم الجنوبية؟ *🇲🇦🇲🇦
اعداد : المهندس عبدالله أيت شعيب.
*الحلقة السادسة: بناء الثقة قبل تنزيل مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية:
ورزازات في يوم الثلاثاء 20 يناير 2026.
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أهلنا الكرام في الصحراء المغربية،
إخواننا في مخيمات تندوف،
إخوتي المغاربة في كل مكان،
في هذه الحلقة السادسة، سنستكمل مناقشة المحاور الواردة في الحلقة الخامسة. ويتعلق الامر بـ :
• *شروط نجاح إدماج العائدين.
• *الوقوف عند اختلالات التدبير المحلي.
• *المسؤولية المشتركة بين الدولة وباقي الفاعلين بصراحة ووضوح : ( من المسؤول؟ وأين تبدأ الدولة وأين تنتهي؟)
• *خلاصة الحلقة الخامسة والسادسة.
* شروط نجاح إدماج العائدين:
لا ننسى أن أغلب الذين غادروا الصحراء بعد انسحاب الإسبان وذهبوا إلى مخيمات تندوف قد تجاوزوا اليوم الخمسين عامًا. هؤلاء الأوائل الذين كانوا رحلا او عاشوا التجربة المباشرة مع الإسبان في المدن الصحراوية مثل العيون، وانخرطوا في الإدارة أو الجيش أو الأمن الإسباني، اكتسبوا خبرات ومهارات حياتية مختلفة. ومن المهم أن نفرق بينهم وبين الأجيال اللاحقة: أبناؤهم وأحفادهم الذين نشأوا بالكامل في المخيمات، ولم تتح لهم غالبًا فرص تعلم الحرف أو اكتساب مهارات الحياة الحضرية. فخلط هذه الفئات في خطاب واحد أو تجاهل خصوصيات كل جيل يفتقد إلى المنطق، ويعيق وضع برامج إدماج فعالة.
وبالتالي، أي برنامج إدماج ناجح يجب أن يأخذ بعين الاعتبار هذا التنوع بين الأجيال والخلفيات، ويقدّم مسارًا متدرجًا وشاملاً يمكّن كل عائد، سواء كان من الجيل الأول أو الثاني أو الثالث، من بناء مستقبله بكرامة، والاندماج الكامل في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والوطنية.
إن الإدماج الناجح لا يتحقق بمنح ظرفية أو دعم محدود، فذلك لا يلبّي احتياجات العائدين ولا يحترم كرامتهم، بل يتطلب برامج عملية ومستدامة، تعترف بالعائد وأبنائه وأحفاده كشركاء فعليين في الوطن، وتتيح لهم فرص التعليم، والتكوين المهني، والتشغيل، والمشاركة في تدبير شؤون مجتمعاتهم المحلية، بما يضمن لهم الاستقرار والاعتماد على الذات، ويحوّل تجربة العودة إلى نجاح ملموس يقتنع به الداخل والخارج على حد سواء.
لذلك فإن تمكين العائد من بناء مستقبله بكرامة لا يتحقق بمنح ظرفية أو إعانات مؤقتة، بل عبر مسار إدماج متكامل، يُعامل فيه العائد باعتباره فاعلًا اقتصاديًا واجتماعيًا، لا حالة إنسانية عابرة. ويقوم هذا المسار، في جوهره، على ركائز عملية واضحة:
*أولًا: مواكبة شاملة منذ لحظة العودة:*
أن لا يُترك العائد وحيدًا بعد عبوره الحدود، بل يُواكَب إداريًا واجتماعيًا ونفسيًا، عبر خلية مختصة، تُسهّل له الولوج إلى السكن، والتعليم، والصحة، وتسوية وضعيته القانونية، بما يُجنّبه الارتباك والإحساس بالضياع في الأسابيع الأولى، وهي المرحلة الأكثر هشاشة.
*ثانيًا: إدماج مهني حقيقي بدل الإعانة:*
فالعائد لا يحتاج إلى “كارطة”، بل إلى:
• تكوين مهني ملائم لمؤهلاته أو لإمكانات السوق المحلي،
• إدماج في مشاريع مدرّة للدخل، فردية أو تعاونية،
• أو إدراج مباشر في برامج الشغل، بشروط واضحة ومستقرة.
فالعمل هو المدخل الحقيقي للكرامة، وهو الكفيل بتحويل العائد من متلقٍّ للدعم إلى منتج ومندمج.
*ثالثًا: دعم مالي موجّه لبناء مشروع حياة:*
الدعم المالي، إن وُجد، يجب أن يكون:
• مصحوبًا بالتأطير والمتابعة،
• موجّهًا للاستثمار لا للاستهلاك،
• مرتبطًا بمشروع قابل للاستمرار، لا بمنحة تُستهلك في أيام.
فالعائد الذي عاش سنوات في المخيمات لا يُمكن افتراض جاهزيته الفورية للتعامل مع المال دون تأطير، وإلا تحوّل الدعم إلى عبء جديد بدل أن يكون فرصة.
*رابعًا: حماية اجتماعية وضمان حدٍّ أدنى من الاستقرار:*
لا يمكن الحديث عن الاندماج دون:
• تغطية صحية فعلية،
• حماية من الهشاشة الاجتماعية،
• وضمان كرامة العيش في المراحل الأولى.
فالاستقرار هو ما يمنح العائد الثقة في الغد، ويمنعه من التفكير في العودة القسرية إلى المخيمات.
*خامسًا: الاعتراف المعنوي والرمزي بالعائد:*
وهو عنصر غالبًا ما يُهمَل، رغم أهميته:
· أن يشعر العائد بأنه مرحّب به، محترَم، غير مشكوك في وطنيته،
· وأن لا يُعامل كملف أمني، ولا كحالة دعائية، بل كمواطن عاد إلى وطنه الطبيعي.
فالكرامة ليست مادية فقط، بل نفسية ورمزية قبل كل شيء.
إن بناء مستقبل كريم للعائد لا يعني تحميل الدولة أعباء مفتوحة، بل استثمارًا وطنيًا ذكيًا: استثمارًا في الإنسان، وفي استقرار الأقاليم الجنوبية، وفي مصداقية مشروع الحكم الذاتي ذاته.
فحين يرى الصحراوي في المخيمات أن أخاه العائد استطاع أن: يعمل، ويستقر، ويُعيل أسرته، ويعيش بكرامة داخل وطنه، حينها فقط يصبح الحكم الذاتي خطابًا مُقنعًا، لا وعدًا بعيدًا.
*خلاصة القول*، إن مشروع الحكم الذاتي، مهما بلغت وجاهته السياسية وقوته القانونية، لن يقنع من يعيش في المخيمات، ما لم يرَ في العائد نموذجًا ملموسًا للكرامة، والاستقرار، وإمكانية بناء مستقبل واضح داخل الوطن، لا صورةً للارتباك أو الهشاشة أو الانتظار المفتوح.
*** * الوقوف عند اختلالات التدبير المحلي:
إن الحديث عن اختلالات التدبير المحلي لا يُقصد به التشهير، ولا تحميل المسؤولية للجميع، ولا نسف الجهود الإيجابية القائمة، بل هو تجاوب مع نبض بعض الفئات الشعبية في أقاليمنا الجنوبية، وتشخيص صريح لوقائع ملموسة أضعفت منسوب الثقة لدى جزء من الساكنة، وكان لها أثر مباشر على صورة الدولة ومصداقية خياراتها في الأقاليم الجنوبية.
فالشارع الصحراوي، من خلال نقاشاته اليومية، لا يتحدث عن شعارات عامة، بل يستحضر ممارسات محددة، من أبرزها:
• تغليب منطق الريع والامتيازات على منطق الاستحقاق والكفاءة، وهذا مما حذر منه جلالة الملك محمد السادس حفظه الله ورعاه.
• ضعف ربط المسؤولية بالمحاسبة، رغم وضوح الاختلالات في بعض القطاعات،
• إعادة إنتاج نفس الوجوه في مواقع القرار دون تقييم حقيقي للأداء أو الأثر،
• إقصاء كفاءات صحراوية نزيهة ومؤهلة، لصالح شبكات ولاء ضيقة،
• تحوّل بعض المؤسسات المنتخبة من فضاءات لخدمة الصالح العام إلى دوائر مغلقة، بعيدة عن هموم الساكنة وانتظاراتها.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في وجود الأخطاء، فكل تجربة بشرية معرّضة للتعثر، بل في تطبيع هذه الأخطاء، واستمرارها دون تصحيح، بما يجعلها وقودًا جاهزًا تستثمره الأطراف المعادية لضرب مصداقية مشروع الحكم الذاتي، والتشكيك في جدية الدولة في تنزيله.
فالصحراوي لا يقارن وضعه فقط بباقي جهات المملكة، بل يقارن ـ وبوعي متزايد ـ بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن “النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية”، وبين ما يلمسه فعليًا في الإدارة، وفرص الشغل، وجودة الخدمات، والعدالة المجالية، وتكافؤ الفرص.
ومن هنا، فإن معالجة هذه الاختلالات ليست ترفًا سياسيًا، ولا مطلبًا فئويًا، بل شرط أساسي لبناء الثقة، ولتحويل الحكم الذاتي من تصور نظري إلى تجربة ناجحة، يُقاس صدقها بما تحققه من إنصاف وكرامة ومشاركة فعلية لأبناء الصحراء.
*رابعًا: المسؤولية المشتركة بين الدولة وباقي الفاعلين بصراحة بلا مواربة، ووضوح بلا تبرير: من المسؤول؟ وأين تبدأ الدولة وأين تنتهي؟*
وهنا نصل إلى صميم الإشكال، وإلى السؤال الذي لا يجوز القفز عليه ولا تأجيله:
* من يتحمّل، فعلًا، مسؤولية فجوة الثقة في الدولة وفي مقترح الحكم الذاتي التي ما تزال قائمة لدى جزء من أبناء الصحراء؟
إن الجواب الصادق يفرض الاعتراف بأن المسؤولية ليست أحادية، ولا يمكن تحميلها لطرف واحد، بل هي مسؤولية متعددة المستويات، ومتشابكة الأدوار، ومشتركة بين أكثر من فاعل:
* فالدولة تتحمّل مسؤوليتها حين يتأخر تصحيح الاختلالات، أو حين لا تُواكَب السياسات العمومية بالصرامة اللازمة في التتبع والتنفيذ، فيضيع الفرق بين الإرادة المعلَنة والأثر الملموس.
* وتتحمّل الإدارة مسؤوليتها عندما تُفرغ التوجهات الكبرى من مضمونها، بسوء التدبير، أو بثقل الروتين، أو بغياب الحسّ الإنساني في التعامل مع المواطن، فيتحوّل الحق إلى معاناة، والإجراء إلى عبء.
* ويتحمّل المنتخبون مسؤوليتهم حين يخلطون بين منطق التمثيل وخدمة الصالح العام، ومنطق الامتياز والمصلحة الخاصة، فيُساء استعمال الثقة بدل صيانتها.
* وتتحمّل النخب المحلية مسؤوليتها حين تختار الصمت عن الاختلالات، أو التكيّف معها، أو الانتفاع منها، بدل القيام بدورها الطبيعي في التنبيه والتقويم والدفاع عن المصلحة العامة.
* كما لا يمكن، بمنطق الصراحة والمسؤولية، إعفاء بعض الأصوات الصحراوية نفسها حين تبرّر الفشل، أو تستثمر في الغموض، أو تُغذّي الشك والالتباس، بدل الإسهام في الإصلاح وبناء الثقة.
غير أن جوهر المسؤولية، في منطق الدولة القوية، لا يقوم على الإدانة ولا على تصفية الحسابات، بل على المحاسبة العادلة، والتصحيح الشجاع، والإصلاح المستمر.
إن الدولة المغربية قوية بشرعيتها التاريخية، ومتماسكة بمؤسساتها، وراسخة بحقوقها السيادية، لكن معيار قوتها الحاسم اليوم لا يُقاس فقط بصلابة المواقف الخارجية، بل بقدرتها على ترميم الثقة داخليًا، خاصة داخل الأقاليم الجنوبية، لأن هذه الثقة ليست مجرد عنصر نفسي، بل هي رأس مال استراتيجي، وأقوى سلاح في مواجهة خصوم الوحدة الترابية، والضامن الحقيقي لإنجاح مقترح الحكم الذاتي، وتحويله من مشروع سياسي متقدّم إلى واقع مستقر ومُقنع ومستدام.
*** *خلاصة الحلقتين الخامسة والسادسة :
إن الخلاصة التي تفرض نفسها بعد هذا التشخيص الصريح، هي أن الحكم الذاتي لا يمكن أن يُختزل في نصّ دستوري متقدم، ولا في دعم دولي متنامٍ، ولا في خطاب سياسي مُقنع، ولا يمكن تنزيله، ما لم يُدعَّم بثقة داخلية حقيقية، تُبنى يومًا بعد يوم، في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن الصحراوي.
فالحكم الذاتي لا يُنجَح به عبر الخطب وحدها، ولا يُحمى بالشعارات، ولا يُرسَّخ بالقرارات المركزية فقط، بل يُبنى بإصلاح واقعي وشجاع يُعيد الاعتبار للإنسان الصحراوي كشريك كامل في الوطن، لا كموضوع تدبير، ولا كملف أمني، ولا كرهان ظرفي في صراع إقليمي.
إن الإصغاء لنبض الشارع الصحراوي ليس تنازلًا سياسيًا، ولا ضعفًا في الموقف السيادي، بل هو قوة دولة تعرف أن الشرعية لا تُستمد فقط من التاريخ والقانون، بل من الإحساس العميق للمواطن بأن صوته مسموع، وكرامته مصونة، ومستقبله مضمون داخل وطنه.
كما أن معالجة اختلالات التدبير المحلي ليست تشويهًا للصورة، بل حماية لها، لأن أخطر ما يواجه مشروع الحكم الذاتي ليس معارضيه في الخارج، بل الإحباط الصامت في الداخل، وسوء التدبير الذي يُفرغ المشاريع الكبرى من معناها الإنساني.
فالصحراوي، في جوهر مطالبه، لا يسعى إلى امتياز خاص، ولا إلى وضع استثنائي، بل يطلب ما يطلبه كل مواطن كريم:
• عدالة في الفرص،
• وضوحًا في المسؤوليات،
• كرامة في المعاملة،
• وشراكة حقيقية في القرار.
ومن هنا، فإن بناء الثقة ليس مرحلة تكميلية، بل هو الشرط الأول لإنجاح الحكم الذاتي، والقاعدة الصلبة لأي مصالحة وطنية صادقة، والرسالة الأقوى التي يمكن أن تُوجَّه إلى إخوتنا في مخيمات تندوف.
فمن دون هذه الثقة، يبقى أي حل — مهما بدا متكاملًا على الورق — ناقصًا في الواقع، هشًّا في النفوس، وقابلًا للاختراق. ومعها، يتحوّل الحكم الذاتي من مشروع سيادة إلى مشروع أمل، ومن مقترح سياسي إلى لمّ شمل حقيقي، ومن نزاع مفتعل إلى صفحة جديدة تُطوى بكرامة ومسؤولية.
ومن هنا يبدأ بناء الثقة… ومن دونها، يبقى كل حلّ ناقصًا مهما بدا متكاملًا على الورق.
وقبل الختام، أدعوكم إلى الحلقة القادمة، *الحلقة السابعة:* أفق الحلّ – لمّ الشمل وضمان الامتداد التاريخي للصحراوي من طنجة إلى الكويرة في إطار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
ففيها سننتقل من التشخيص إلى الرؤية العملية، من تحليل الثغرات إلى تقديم مزيد من المقترحات، لتحقيق المصالحة الوطنية وتمكين الصحراويين من استعادة كرامتهم، والاندماج الكامل في المجتمع، وضمان امتداد انتمائهم التاريخي للوطن في كل شبر من ترابه.