ورقة شمشون الإيرانية — هل تُفكّر طهران في استهداف ديمونة؟
بقلم. عبداللطيف مشرف. أستاذ مساعد التاريخ السياسي بجامعة ماردين آرتوكلو.
ثمة سؤال يتداوله المحللون الاستراتيجيون في الغرف المغلقة أكثر مما يُطرح على الملأ:
هل تملك إيران – في لحظة الاحتضار الاستراتيجي – ورقةً أشد فتكاً من برنامجها النووي نفسه ؟
الجواب المزعج: “ربما نعم”:
أولاً — منطق “خيار شمشون” في نظرية الردع:
خيار شمشون — أو “Samson Option” — مفهوم استراتيجي نشأ في الأدبيات الأمنية الإسرائيلية، ومفاده: الدولة التي تشعر بقرب زوالها تلجأ إلى تدمير مشترك شامل، لا لأنها تملك ما تربحه، بل لأنها لم تعد تملك ما تخسره.
الفارق الجوهري بين الردع التقليدي وخيار شمشون:
الردع يقول “إذا ضربتني سأرد” — وهو منطق العقلانية.
شمشون يقول “إذا سقطتُ سأحرق الجميع” — وهو منطق اليأس المُسلَّح.
والسؤال الحقيقي: هل وصلت إيران إلى تلك اللحظة؟
ثانياً: ديمونة كهدف استراتيجي: الحسابات والمحاذير.
مفاعل ديمونة ليس هدفاً عسكرياً عادياً. استهدافه بصاروخ باليستي دقيق يعني نظرياً:
– ما تكسبه إيران رمزياً:
ضربة ديمونة تُحقق ما عجز عنه برنامجها النووي كله — فرض توازن رعب مع إسرائيل دون امتلاك سلاح نووي. إنها القنبلة التي تستعيرها من خصمها.
– ما تخسره إيران فعلياً:
الواقعية الصارمة تقول إن هذا الخيار انتحار استراتيجي مُعلَن. الرد الإسرائيلي — وربما الأمريكي المباشر — سيكون وجودياً لا عقابياً. فضلاً عن الكارثة الإشعاعية التي ستطال دولاً عربية مجاورة، مما يُحوّل أي تعاطف إقليمي إلى عداء شامل.
ثالثاً: القراءة البنائية: التهديد كبديل وظيفي عن الامتلاك:
هنا يكمن العمق الحقيقي لفكرتك:
إيران لم تبنِ قنبلة نووية — لكنها صنعت “الغموض النووي” كورقة ردع. والآن، بعد تدمير منظومتها الصاروخية جزئياً وتفكيك بنيتها الأمنية، تجد نفسها أمام سؤال وجودي:
هل يمكن لتهديد استهداف ديمونة أن يُؤدّي الوظيفة الرادعة التي كان يؤديها الغموض النووي؟
البنائية تُجيب: نعم إذا آمن الخصم بالتهديد. الردع ليس في القدرة وحدها، بل في المصداقية. وإيران محاصرة بين نهايتين: إما إقناع الجميع بأنها ستفعلها، أو الاعتراف بأن ورقة التهديد فقدت مصداقيتها.
– رابعاً : هل تُفكّر طهران فعلاً في هذا الخيار؟
المعطيات المتاحة تقول إن هذا السيناريو موجود في حسابات الأجهزة الاستخباراتية الغربية، لا كاحتمال مرجّح، بل كسيناريو كارثي يجب **منع شروطه** لا الاستعداد لعواقبه.
ثلاثة مؤشرات تجعله محدود الاحتمالية رغم منطقيته النظرية:
– المؤشر الأول : البقاء أولوية النظام لا الانتقام. التاريخ يُثبت أن الأنظمة حتى في أشد لحظاتها انكساراً تختار التفاوض على الاستئصال المتبادل. النظام الإيراني مؤدلج لكنه ليس غير عقلاني.
– المؤشر الثاني : القدرة الصاروخية تآكلت. ضرب ديمونة يتطلب صواريخ باليستية دقيقة بما يكفي لاختراق منظومة دفاعية متكاملة، وهي قدرة وُجِدت لكن تدهورت في ظل الضربات الأخيرة.
– المؤشر الثالث : الغموض الاستراتيجي أكثر نفعاً من التنفيذ. التهديد يرهب، والتنفيذ ينتحر. طالما إيران تملك احتمالية الفعل دون توثيق عجزها — فهي تحتفظ بورقة أثمن
– خامساً — الخلاصة الاستراتيجية:
في نظرية الردع الموسّع: التهديد بالكارثة المشتركة كبديل وظيفي عن امتلاك السلاح النووي.
لكن المفارقة التراجيدية هي: الدولة التي تُصرّح بهذا الخيار تفقد قيمته الرادعة وتُسرّع نهايتها. والدولة التي تُضمره في الغموض تحتفظ بورقته دون تكاليفه.
إيران تعرف هذه المعادلة — والسؤال ليس إن كانت تفكّر فيها، بل إن كانت تملك القدرة على “التلويح” بها بمصداقية كافية دون أن تُضطر إلى “الاختبار الفعلي”.
هذا هو حدّ السكين الذي تسير عليه طهران الآن.