بقلم : د . عبداللطيف مشرف.
من الضروري أن نفهم جيدًا أن الفارق بين اليمين واليمين الإسرائيلي ليس بالضرورة فارقًا في الأهداف الاستراتيجية، بل قد يكون اختلافًا في الأدوات والتكتيكات وآليات إدارة الصراع. فإيزنكوت، مثل نتنياهو، لا يمكن الحكم عليه انطلاقًا من خطابه أو صورته الإعلامية، وإنما من مواقفه الفعلية، ورؤيته للأمن، وتعاطيه مع الفلسطينيين، وطبيعة المشروع الذي يتحرك في إطاره.
إننا نتحدث عن دولة تأسست في سياق استعماري استيطاني، وترسخت سياساتها عبر التوسع الاستيطاني والقوة العسكرية وفرض الوقائع على الأرض. ولذلك، فإن اختزال المشكلة في شخص نتنياهو، أو تصوير رحيله باعتباره نهاية الأزمة، هو تبسيط مخلّ بطبيعة الصراع وببنيته الاستراتيجية.
المشكلة ليست فقط : من سيحكم إسرائيل؟ بل : ما الذي سيتغير في سياساتها وأهدافها تجاه الفلسطينيين والمنطقة؟
إنني أستغرب حجم الاهتمام الذي تحظى به الانتخابات الإسرائيلية في بعض التحليلات العربية، وكأن سقوط نتنياهو سيؤسس بالضرورة لمرحلة سياسية مختلفة، أو أن صعود شخصية أخرى سيعني تحولًا جوهريًا في طبيعة الصراع. والحقيقة أن الانتخابات قد تنتج وجوهًا جديدة، وتحالفات مختلفة، وخطابًا أكثر مرونة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تغييرًا في الأهداف الاستراتيجية أو في جوهر السياسات القائمة.
نحن، في كثير من الأحيان، لا نناقش كيف يمكن تغيير معادلة الصراع، بل ننتظر لنعرف أيّ حكومة ستتولى إدارة معاناتنا، وأيّ جلاد سيستخدم أدوات أكثر قسوة، وأيّها سيختار وسائل أكثر نعومة ودهاءً لتمرير السياسات ذاتها!
والأكثر إثارة للقلق هو بعض التحليلات السياسية والإعلامية العربية، ولا سيما تلك التي يقدمها محللون فلسطينيون، والتي راهنت على نهاية نتنياهو، وافترضت أن المجتمع الإسرائيلي يتجه نحو الليبرالية، وأن المزاج الشعبي سينقلب على التيارات الدينية والقومية المتشددة بسببه.
وهنا يبرز سؤال جوهري : هل نقرأ المجتمع الإسرائيلي كما هو، أم كما نتمنى أن يكون؟
إن تصريحات محللين مثل مهند مصطفى والعمري وغيرهما من كافة الفلسطينين الذين يظهرون على الشاشة أو يعملون في الجزيرة، حين تُطرح في سياق التنبؤ بسقوط نتنياهو أو بتحول المجتمع الإسرائيلي نحو الليبرالية، ينبغي إخضاعها لاختبار الوقائع والمؤشرات الانتخابية والاجتماعية والسياسية، لا التعامل معها باعتبارها حقائق محسومة. فالتنبؤ السياسي ليس إعلانًا عن أمنيات، بل عملية تحليل تستند إلى فهم بنية المجتمع، وتوازنات القوى، واتجاهات الرأي العام، ومصالح النخب الحاكمة.
ومن هنا، فإن الإشكالية لا تكمن في اختلاف التقديرات السياسية؛ فالخطأ وارد في أي تحليل. وإنما تكمن في تحويل التوقعات إلى يقين، وتقديم السيناريو المرغوب فيه للجمهور وكأنه حقيقة استراتيجية مؤكدة.
والمفارقة أن بعض من يفترض أنهم الأقدر على فهم المجتمع الإسرائيلي بحكم القرب الجغرافي والمعرفة المباشرة، قد يقعون أحيانًا في فخ قراءة الخصم من خلال تصوراتهم المسبقة، لا من خلال بنيته السياسية والاجتماعية ومصالحه الاستراتيجية.
فإذا كنا عاجزين عن التمييز بين التغيير في القيادة والتغيير في السياسات، وبين الخطاب الانتخابي والهدف الاستراتيجي، وبين الخلافات الحزبية داخل إسرائيل والثوابت التي تحكم تعاملها مع الفلسطينيين، فكيف يمكننا بناء رؤية حقيقية لإدارة الصراع؟
إن أخطر ما يمكن أن يواجه الوعي العربي ليس فقط قوة الخصم، بل سوء فهمه، والمبالغة في تقدير التحولات التي قد تطرأ عليه، وتحويل الشاشات إلى منصات لبيع الأوهام بدلًا من تفكيك الوقائع واستشراف المسارات المحتملة.
نحن لا نحتاج إلى محللين يخبروننا بمن سيسقط نتنياهو فحسب، بل إلى عقول استراتيجية تجيب عن السؤال الأهم: إذا سقط نتنياهو وصعد إيزنكوت أو غيره، فما الذي سيتغير فعليًا في موازين القوى، وفي سياسات الاحتلال، وفي مستقبل القضية الفلسطينية؟
فالأوطان لا تُحمى بالتمنيات، والقضايا لا تُدار بالأوهام، والصراع لا يُفهم بتبديل الأسماء على الشاشات.
إن قراءة العدو تبدأ من فهم حقيقته، لا من انتظار النسخة التي نتمناها منه.