الحلقة الثالثة والعشرون : تنبيه آخر لابد منه: قضية الصحراء قضية كل المغاربة وليست حكرًا على أبنائها.
اعداد ،المهندس عبدالله ايت شعيب.
يوم الجمعة 13 فبراير 2026.
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أهلنا الكرام في الصحراء المغربية،
إخواننا في مخيمات تندوف،
إخوتي وأخواتي في ربوع الوطن وخارجه،
حين كتب أحدهم، ساخرًا ومستخفًّا، معلقًا على إحدى حلقات هذه السلسلة:
*”مسكين، شغله الشاغل هو الصحراء وكأنه من أبنائها أو سيستفيد منها”*
أدركتُ، بمرارة ووعي في آن واحد، أن معركة الصحراء ليست فقط معركة حدود وجغرافيا ودبلوماسية وقرارات دولية، وبنيات تحتية، بل هي قبل ذلك معركة وعي عميقة تُخاض في العقول والضمائر، ومعركة تعريف لمعنى الوطن، والانتماء، والمسؤولية المشتركة.
ذلك التعليق، على بساطته الظاهرية، كشف أن بعض معاركنا الحقيقية تُخاض داخل الوعي الوطني نفسه، حيث يُختزل الوطن في الجغرافيا، وتُختزل الوطنية في المصلحة، ويُساء فهم الانشغال بالقضايا المصيرية وكأنه بحث عن مكسب أو امتياز.
ومن هنا، وجدتُ نفسي ملزمًا بإضافة هذه الفقرات، ليس ردًا على شخص بعينه، بل دفاعًا عن مفهوم الوطنية ذاته، وتذكيرًا بأن الصحراء ليست شأنًا محليًا، بل قضية وطنية جامعة، وأن الانشغال بها ليس فضولًا فكريًا ولا مزايدة سياسية، بل واجب ضمير ومسؤولية تاريخ.
لمثل هؤلاء أقول بكل وضوح ومسؤولية:
• الصحراء ليست ملكًا لأبنائها وحدهم، كما أن الشمال ليس ملكًا لأبنائه وحدهم، ولا الشرق ولا الغرب.
• الصحراء هي جزء من جسد الوطن المغربي، والوطن لا يُجزَّأ إلى مناطق امتياز، ولا يُقاس الانتماء إليه ببطاقة إقامة أو شهادة ميلاد جغرافية.
• الوطنية ليست عقد انتفاع، ولا صفقة ربح وخسارة، ولا استثمارًا سياسيًا أو ماليًا، بل هي التزام أخلاقي وتاريخي ووجودي.
• الوطنية تُقاس بما نقدّمه للوطن، لا بما ننتظره منه.
نعم، إن اهتمام أبناء الصحراء بقضيتهم واجب مضاعف ومسؤولية تاريخية خاصة، بحكم الانتماء المباشر، والامتداد الاجتماعي والرمزي، وعمق الارتباط بالتراب والهوية والتاريخ.
ومساهمتهم في الدفاع عن مغربية الصحراء كانت وستظل الأنجع والأقوى والأصدق، لأنهم المعنيون أولًا بحماية هويتهم، وصيانة مصالحهم، وترسيخ انتمائهم الراسخ داخل الوطن الأم.
وهنا لا يسعني إلا أن أوجّه تحية إجلال وتقدير وعرفان إلى أطر الصحراء الشرفاء، وشيوخ قبائلها الحكماء، ومنتخبيها المسؤولين، وإعلامييها الملتزمين، ورؤساء جمعياتها المدنية الفاعلة، وكل نسائها ورجالها الذين ظلّوا صامدين دون كلل أو ملل، يرافعون عن القضية الوطنية في الداخل والخارج، بالكلمة والموقف، بالحجة والدليل، وبالعمل الميداني والتنموي.
هؤلاء هم خط الدفاع الأول عن مغربية الصحراء، وهم الضمير الحي الذي أفشل رهانات الخصوم، وفضح مشاريع التضليل والانفصال.
كما أُثمّن عاليًا مواقف القادة والمؤسسين السابقين لجبهة البوليساريو وكل العائدين إلى أرض الوطن، الذين امتلكوا شجاعة المراجعة والنقد الذاتي، واختاروا الانحياز إلى الحقيقة والوطن بدل الارتهان للاصطفافات والضغوط الخارجية.
لقد شكّلت عودتهم شهادة حية على مغربية الصحراء بالانتماء والتاريخ والبيعة، ورسالة أخلاقية وسياسية تُسقط دعاوى الانفصال. وهم اليوم رصيد وطني ثمين وجسر للمصالحة ولمّ الشمل، وتجسيد صادق لمعنى الوطنية حين تكون العودة إلى الوطن أسمى درجات الانتماء.
لكن هذا الواجب الخاص، رغم ثقله ومكانته، لا يُلغي الواجب العام لبقية المغاربة، بل يُكمّله ويعزّزه في إطار وطن موحّد ومسؤولية مشتركة، حيث كل مغربي مسؤول عن كل شبر من وطنه، شمالًا وجنوبًا، شرقًا وغربًا، لأن الصحراء ليست قضية جهة، بل قضية أمة ودولة ومصير مشترك.
لقد سالت دماء شهداء من الشمال والجنوب، ومن الشرق والغرب، دفاعًا عن الصحراء، وصُرفت أموال كل المغاربة لتنميتها وحمايتها وبناء بنياتها التحتية، فكيف يُقال بعد ذلك إنها لا تعني إلا أبناءها؟
المغرب جسد واحد، وإذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى.
وهذه هي الوطنية الحقة: أن تعتبر كل قضية وطنية قضيتك، وأن تدافع عن كل شبر من وطنك كما تدافع عن بيتك وأهلك وكرامتك.
قال *”مسكين، شغله الشاغل هو الصحراء…
نعم، شغلي الشاغل هي الصحراء المغربية… ليس لأنني أطمع في أي استفادة، ولا لأنني أنتظر دعمًا أو امتيازًا أو مكسبًا من أي جهة.
نعم، شغلي الشاغل هي الصحراء لأنني أؤمن بأنها قضية سيادة ووحدة ومصير تاريخي، ولأن *جلالة الملك محمد السادس،* حفظه الله ورعاه، دعا كل المغاربة صراحة إلى الدفاع عنها حين قال في خطاب ذكرى المسيرة الخضراء لسنة 2022 :
🇲🇦*”إن الدفاع عن الصحراء مسؤولية كل المغاربة.
في الوقت الذي تنتظر فيه أن تستفيد من الصحراء، بكل تواضع وبكل سخاء، أكتب وأحاضر وأشارك في الندوات دون مقابل، وأتحمّل تكاليف نشر كتبي وتوزيعها بدون مقابل، لأنني أؤمن بأن التفكير في القضايا الوطنية واجب، وأن المعرفة صدقة جارية، وأن الدفاع عن الوطن شرف لا يُشترى ولا يُباع.
ورغم التزاماتي المهنية كمهندس، ومسؤولياتي العملية، وظروفي الصحية، اخترت أن أخصص جزءًا من وقتي وجهدي لهذه القضية، لأن الوطنية ليست بالقول، بل التزام أخلاقي حين يتطلب الأمر كلمة صادقة، وتحليلًا مسؤولًا، وشهادة للتاريخ.
قال صاحبنا : *”مسكين، شغله الشاغل هو الصحراء وكأنه … سيستفيد منها”*،
نقول له ولامثاله: إن من يقيس الوطنية بمنطق الربح والخسارة يكشف عن تصور ضيق لمعنى الانتماء.
أما نحن فنؤمن بأن الوطن لا يُدافع عنه بالانتظار لما سنجنيه منه، بل بما سنقدّمه له، ولو دون مقابل، ولو دون تصفيق، ولو دون اعتراف.