الحلقة الثامنة عشرة : توصيات ومقترحات موجّهة لوسائل الإعلام والتواصل المحلية
اعداد، المهندس عبدالله ايت شعيب
💎 *الإعلام جبهة متقدمة في معركة الوعي والانتماء:*💎
يوم الخمبس 05 فبراير 2026.
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
إخوتي وأخواتي في ربوع الوطن وخارجه،
أهلنا الكرام في الصحراء المغربية،
إخواننا في مخيمات تندوف،
بعد أن تناولنا في الحلقات السابقة أدوار السلطات العمومية، والمجالس المنتخبة، وشيوخ القبائل والأعيان، ثم النسيج الجمعوي باعتباره قوة ناعمة لتحصين الانتماء وبناء الوعي المدني، يتضح أن معركة الوحدة الترابية ليست معركة مؤسساتية أو اجتماعية فحسب، بل هي أيضًا معركة تمثلات وروايات وصور ذهنية تُصاغ يوميًا في الفضاء العمومي. ومن هنا تبرز أهمية وسائل الإعلام خاصة منها المحلية التي نقترح عليها التوصيات التالية.
*توصيات ومقترحات موجّهة لوسائل الإعلام والتواصل المحلية :
كما يعلم الجميع، تضطلع وسائل الإعلام والتواصل المحلية، بمختلف وسائطها التقليدية والرقمية، بمسؤولية مركزية في تشكيل الوعي الجماعي، وبناء التمثلات الاجتماعية، وصياغة العلاقة الرمزية بين المواطن والدولة، لا سيما في الأقاليم الجنوبية حيث تتقاطع الاعتبارات التاريخية والهوياتية والسياسية. ومن ثمّ، فإن دور الإعلام في هذا السياق لا يقتصر على الإخبار أو الترفيه، بل يتجاوزهما إلى وظيفة وطنية وأخلاقية، قوامها تحصين الوحدة الوطنية، ومواجهة السرديات الانفصالية، وترسيخ الثقة في المؤسسات.
وانطلاقًا من هذا الدور المحوري، يُنتظر من وسائل الإعلام المحلية ما يلي:
• الالتزام بخطاب إعلامي مهني، متزن ومسؤول، يُبرز المنجزات الوطنية والتنموية دون تلميع أو تزييف، ويُناقش الإخفاقات والاختلالات بجرأة وموضوعية، دون تهويل أو تبخيس، لأن المصداقية هي السلاح الأول في مواجهة الخطابات الانفصالية التي تتغذّى على فقدان الثقة.
• العمل على تفكيك الصور الذهنية السلبية، وإن كانت محدودة، التي تُصور الدولة – عن قصد أو عن غير قصد – كمستعمر أو كجسم غريب أو امتداد لمنطق الهيمنة. فهذه إحدى أخطر الرواسب التي يروّج لها الخطاب المعادي إلى يومنا هذا، إذ يسعى عن وعي وتصميم إلى تصوير حضور الدولة المغربية في أقاليمها الجنوبية كوجود استعماري، في مفارقة تاريخية وقانونية فاضحة، يُراد منها زعزعة الثقة، وقطع الصلة الوجدانية بين المواطن ومؤسساته، وتغذية شعور زائف بالغربة داخل الوطن الواحد. ومن بين وسائل تحقيق هذا الهدف العمل على ترسيخ جسور الثقة والقرب بين الشباب وعموم المواطنين من جهة، ومؤسسات الدولة والسلطات العمومية من جهة أخرى، عبر إنتاج برامج إعلامية تفسيرية وتواصلية، تُعرّف بوضوح بأدوار هذه المؤسسات واختصاصاتها وآليات اشتغالها، وتبرز بعدها الخدمي والوطني، باعتبارها مؤسسات في خدمة المواطن لا فوقه، على أن يُترجم هذا الخطاب إلى ممارسات يومية ملموسة تعزز المصداقية، وتكرّس الثقة، وتُحصّن الانتماء الوطني..
• تفكيك الخطاب الانفصالي ومغالطاته التاريخية والسياسية والقانونية، عبر معالجات إعلامية معمّقة، تستند إلى المعرفة الرصينة والحجج الموثقة، وتُقدَّم بلغة قريبة من الشباب، قادرة على الإقناع والتوضيح، لا على الإدانة أو التخوين.
• تكاملا مع باقي المعنيين، كالباحثين، ندعوا لتفكيك الخطاب الانفصالي وكشف مغالطاته التاريخية والسياسية والقانونية، من خلال معالجات إعلامية وفكرية معمّقة، تقوم على البحث العلمي الرصين، والاستناد إلى الحجج الموثقة والوقائع الثابتة، لا إلى الانطباعات أو الشعارات. ويقتضي ذلك الانفتاح المنهجي على الأرشيف الوطني المغربي، وكذا الأرشيف الاستعماري الغني بما يتضمنه من وثائق ومعاهدات ومراسلات رسمية وخرائط تاريخية، تُبرز الحقائق كما هي، وتفضح التزييف المتعمد الذي غذّى الأطروحات الانفصالية لعقود. على أن تُقدَّم هذه المعالجة بلغة عقلانية هادئة، وقريبة من وجدان الشباب وعقولهم، قادرة على الإقناع والتوضيح وبناء القناعة، لا على الإدانة أو التخوين، حتى يتحول تفكيك الخطاب الانفصالي من ردّ فعل ظرفي إلى فعل معرفي دائم، يعزز الوعي الوطني، ويحصّن الأجيال القادمة من التضليل والتشويش.
• تخصيص فضاءات منتظمة للنقاش العمومي الهادئ حول قضايا الهوية والانتماء والوحدة الترابية، بمشاركة فاعلين محليين يتمتعون بالمصداقية والكفاءة، من أكاديميين، وفاعلين جمعويين، وشباب، وشيوخ وأعيان، بما يمنع احتكار النقاش من طرف منصات معادية أو خطابات متطرفة.
• محاربة الأخبار الزائفة والمضامين التحريضية والانفصالية، خاصة في الفضاء الرقمي، عبر آليات التحقق والتفسير والتفكيك، وكشف خلفياتها وأهدافها، لأن تجاهل التضليل في زمن الشبكات الاجتماعية يُعدّ تواطؤًا غير مباشر مع انتشاره.
• إبراز النماذج الإيجابية والقصص الملهمة من أبناء الأقاليم الجنوبية، في مجالات العلم، والمقاولة، والثقافة، والرياضة، والعمل المدني، بما يعزز الثقة في الذات الجماعية، ويُفشل محاولات تصوير الصحراء كفضاء للقطيعة أو الهامشية.
• الانخراط الفعلي في التربية الإعلامية والرقمية لفائدة الشباب، لتمكينهم من أدوات التفكير النقدي، والتمييز بين المعلومة والدعاية، وبين الرأي والتوجيه الإيديولوجي، وحمايتهم من الاستقطاب الانفصالي الذي يستهدفهم عبر الفضاءات الافتراضية.
• المساهمة في بناء جسور التواصل الإنساني والإعلامي مع أبنائنا بمخيمات تندوف، عبر تسليط الضوء على الروابط العائلية والقبلية المشتركة، وإبراز قصص العودة والاندماج، وتقديم خطاب إنساني هادئ يدعو إلى صلة الرحم، ولمّ الشمل، والعودة إلى حضن الوطن، بعيدًا عن لغة الشحن أو الاستفزاز.
• فتح قنوات إعلامية للحوار المباشر بين الشباب والمسؤولين المحليين، بما يُعيد بناء الثقة، ويُحوّل الدولة من مفهوم مجرّد أو متعالٍ إلى مؤسسات قريبة، مسموعة، وقابلة للمساءلة، في إطار القانون والاحترام المتبادل.
• التحلي باليقظة التحريرية والمفاهيمية في التعاطي مع القضايا الحساسة، وتفادي إعادة إنتاج المصطلحات أو السرديات التي تخدم الأجندة الانفصالية، مع الالتزام الصارم بالثوابت الدستورية والمرجعيات الوطنية.
إن الإعلام المحلي، حين ينهض بهذه الأدوار مجتمعة، لا يكون مجرد ناقل للأحداث، بل يتحول إلى فاعل وطني مركزي في معركة الوعي، وخط دفاع متقدم في مواجهة النزعات الانفصالية، وجسر ثقة بين المواطن والدولة، وأداة لبناء الانتماء الواعي، لا الانتماء القسري أو الشعاراتي.
*خاتمة الحلقة الثامنة عشرة:
إخوتي وأخواتي،
أهلنا الكرام في الصحراء المغربية،
وإخواننا في مخيمات تندوف،
لقد أظهرت هذه الحلقة أن الإعلام المحلي والتواصل الرقمي ليسا مجرد ناقلين للأخبار، بل هما خطوط دفاع استراتيجية في معركة الوعي والانتماء الوطني. فالإعلام الصادق، المهني، والمسؤول، قادر على تفكيك الخطابات الانفصالية، وترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسساته، وبناء الانتماء الواعي الذي يرسخ وحدة الوطن في وجدان الجميع.
لكن معركة الانتماء الوطني لا تكتمل بدور الإعلام وحده؛ فهي تحتاج إلى مشاركة فاعلين سياسيين ومؤسساتيين وفكرية نشطة، قادرة على تحويل الرسائل الوطنية إلى برامج ملموسة، ورؤى عملية، تؤكد أن الوطن ليس شعارًا على الورق، بل واقعًا حيًا في حياة كل مواطن.
ومن هذا المنطلق، ستكون الحلقات القادمة – الحلقة التاسعة عشرة والحلقة العشرون – مخصّصة لاستعراض توصيات ومقترحات الأحزاب السياسية والنخب الفكرية والثقافية الوطنية، لتكمل ما بدأناه في هذه الحلقة وما قبلها من بناء وعي جماعي، وتعزيز الانتماء الوطني، وصيانة الوحدة الترابية، عبر أدوار واضحة ومسؤولة لكل فاعل في المجتمع.
فلنستعد معًا، إذن، لتتبع هذه الحلقات المقبلة، التي تهدف إلى تحويل خطاب الانتماء الوطني من مجرد كلمات على الورق إلى ممارسات حقيقية، تراكمية، وفاعلة في حياة المواطنين، وبخاصة الشباب في الأقاليم الجنوبية ومخيمات تندوف.
والله وليّ التوفيق والسداد،