هل نملكُ حقاً أن نكونَ “سادةً” في عالمٍ مضطرب؟
بقلم : د. عبد الكريم بكار
أيها الشباب.. ثمة شعورٌ يتسلل إلى النفوس في زمن التجاذبات الكبرى، وهو الشعور بـ “الهوان”؛ كأنَّ الفرد منا مجرد ريشة في مهب ريحٍ لا يسيطر عليها. هذا الشعور هو أخطر “هزيمة وجودية” يمكن أن تصيب الجيل، لأنه يحولنا من (شركاء في الأرض) إلى (مجرد أرقام) في حسابات القوة.
الحقيقة التي لا تُقال في النشرات هي أنَّ لكل إنسان “مساحة سيادية” لا تملك أقوى جيوش العالم اختراقها إلا إذا سلمها هو طواعية.. فكيف نستردُّ سيادتنا؟
1. الله هو “المركز” لا الظروف:
في زمن “عبادة القوة المادية”، يبرز الإيمان كفعل تمردٍ على العجز. التقرب إلى الله ليس هروباً من الواقع، بل هو إعادة تعريف له. حين تدرك أنَّ الله هو “القيوم” على هذا الكون، تنكمش في عينك هيبة “القوى الأرضية”. هذا اليقين يمنحك (ثباتاً استراتيجياً)؛ فأنت لا تعمل لتُرضي الواقع، بل لترضي مَنْ بيده ملكوت كل شيء. هنا يصبح العمل عبادة، واليقين سلاحاً لا يفل.
2. السيادةُ عبر “الخروج من الذات” (العطاء التطوعي):
أسرع وسيلة لكسر الشعور بالعجز هي أن تمد يدك لتُعين غيرك. العمل التطوعي والدعوي في أوقات الأزمات ليس “نافلة”، بل هو (ضرورة نفسية وحضارية). حين تخصص جزءاً من وقتك لترميم فكر شاب ضائع، أو إغاثة ملهوف، أو نشر قيمة دعوية ثابتة، فإنك تنتقل من خانة “الضحية المنفعلة” إلى خانة “القائد الفاعل”. العطاء يمنحك شعوراً بالقدرة يفتقده المنكبون على جراحهم الشخصية.
3. ثورة “الاستغناء” عن المألوف:
السيادة تبدأ من القدرة على الاستغناء. مَنْ ربط شعوره بالأمان بقرارٍ سياسي أو استقرار مادي، فقد أسلم عنقه لغيره. حين تُربي نفسك على القناعة، والترفع عن الاستهلاك المفرط، وتتحرر من “وثنية المظاهر”، تصبح عصياً على الانكسار. مَنْ لا يملكُ الكثير مما يخشى فقدانه، يملكُ الكثير من الحرية لاتخاذ مواقفه والتمسك بمبادئه.
4. ممارسة “الانعزال القيادي“:
نحن غارقون في ضجيج الآخرين حتى فقدنا أصواتنا. السيادة تقتضي منك أن تنسحب من “القطيع الرقمي” الذي يندب حظه ليل نهار، لتبني (تخصصاً نادراً) أو (مشروعاً دعوياً) بأسلوب عصري. العالم لا يحتاج إلى مزيد من المحللين، بل يحتاج إلى “منارات” تضيء الطريق. القوة الحقيقية هي أن تخرج من الأزمة وأنت تملك “نفعاً” يتهافت الناس عليه.
5. التحول من “رد الفعل” إلى “صناعة الفعل”:
معظم الناس اليوم هم “ردات فعل”؛ إذا ساءت الأخبار حزنوا، وإذا تحسنت فرحوا. السيادة هي أن يكون فعلك نابعاً من (قيمك) لا من (النشرات). اسأل نفسك كل صباح: “لو توقفت الأخبار اليوم، ما هو الخير الذي سأغرسه؟”. هذا السؤال هو الذي يفرق بين (الإنسان التابع) و(الإنسان القائد).
الخلاصة:
المنطقة قد لا تهدأ قريباً، لكنَّ “الزمن النفسي” ملكك أنت. لا تسمح للأحداث أن تسرق منك أثمن ما تملك: قدرتك على اختيار مَنْ تكون. إنَّ بناء عقلٍ حر، ونفسٍ مطمئنة بذكر الله، ويدٍ ممتدة بالخير للناس، هو أعظم انتصار يحققه شاب في زمن القلق.
أنت لست “هامشاً” في كتاب التاريخ.. أنت مَنْ يمسك القلم الآن.