مجهر الصحراء : الصحافة والإعلام
لا نريد مجلسا للبطاقات… نريد مجلسا يصنع إعلاما قويا
بقلم : حسن المولوع
العميد حسن المولوع
تعتكف اللجنة المؤقتة المحدثة بموجب المادة 96 من القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة على إعداد الشروط التنظيمية والمادية والأدبية لإجراء الانتخابات المهنية وإخراج مجلس جديد، بعد سنوات من الجدل الذي رافق التجربة السابقة.. ويبدو أن أعضاء اللجنة يسابقون الزمن، لأن عامل الوقت أصبح حاسما، فبطائق الصحافة المهنية الخاصة بسنة 2026 ما زالت معلقة، وتأخر إصدارها يعني عمليا تأخر حصول المقاولات الإعلامية على الدعم العمومي، وما يترتب عن ذلك من تهديد مباشر لاستقرارها المالي ولأجور الصحافيين والعاملين بها، في مرحلة دقيقة ستتزامن أيضا مع الاستحقاقات التشريعية المقبلة..
لهذا السبب، أرى أن التنظيمات المهنية مطالبة اليوم بدفع عجلة الانتخابات إلى الأمام، بعيدا عن الأصوات التي لا تعيش إلا على خلق الصراعات وإحياء معارك الماضي وتصفية الحسابات الشخصية.. فلقد استنزف هذا القطاع سنوات طويلة في النزاعات، بينما كانت المهنة تنزف بصمت، والصحافة المغربية تفقد جزءا من مكانتها وتأثيرها..
الجسم الصحفي يقف اليوم أمام امتحان حقيقي.. فإما أن تكون هذه المرحلة بداية لاستعادة المهنة من قبضة الحسابات الضيقة، وإما أن نعيد إنتاج التجربة نفسها بوجوه جديدة.. لأن المطلوب ليس مجلسا جديدا فحسب، وإنما فلسفة جديدة في تدبير التنظيم الذاتي، تعيد للصحافة استقلاليتها، وللصحافي كرامته، وللمواطن حقه في إعلام حر، مهني، صادق ومتعدد، بعيدا عن المال الذي يشتري المواقف، وعن النفوذ الذي يحاول توجيه الخط التحريري، وعن المنابر التي تحولت إلى أدوات في صراعات لا تمت إلى المهنة بصلة..
المجلس الوطني المقبل لا ينبغي أن يجعل البطاقة المهنية محور اشتغاله كما وقع في التجربة السابقة، حتى بدا وكأن قيمة البطاقة أصبحت أكبر من قيمة المهنة نفسها.. فالبطاقة وسيلة إدارية ضرورية، لكنها ليست المشروع الذي من أجله أحدث المجلس..فالمشروع الحقيقي هو تنظيم المهنة، وتأهيلها، وحماية أخلاقياتها، والدفاع عن استقلاليتها، ورفع مكانة الصحافي المغربي..
العالم اليوم لم يعد كما كان قبل عشر سنوات.. الإعلام أصبح أحد أهم أدوات القوة الناعمة، وأحد أسلحة الدبلوماسية الموازية، لذلك يجب على المجلس المقبل أن ينفتح على التجارب الدولية، وأن يؤسس شراكات مع مجالس وهيئات صحفية في أوروبا والعالم العربي وإفريقيا، لتبادل الخبرات، وتنظيم الدورات التكوينية، وتمكين الصحافيين المغاربة من مواكبة التحولات التي يعرفها القطاع..
كما أن المقاولات الإعلامية مطالبة هي الأخرى بالتفكير بمنطق جديد، عبر فتح مكاتب خارج المغرب، واعتماد مراسلين دائمين في عدد من العواصم، حتى يصبح الإعلام المغربي حاضرا في صناعة الخبر، لا مجرد متلق لما تنتجه وسائل إعلام أخرى.. فالبلدان التي تدافع عن مصالحها في الخارج لا تعتمد فقط على الدبلوماسية الرسمية، وإنما تستند أيضا إلى إعلام قوي ومؤثر قادر على تقديم روايتها والدفاع عنها..
ومن القضايا التي تستحق نقاشا جديا أيضا طريقة اختيار أعضاء المجلس المقبل.. لأن استيفاء الشروط القانونية والتقنية وحده لا يكفي..فالمطلوب شخصيات تمتلك رؤية، وقادرة على بناء علاقات خارجية، وأخرى ملمة بالقضايا الاجتماعية للصحافيين، وثالثة تمتلك خبرة في التشريع والأخلاقيات والتكوين.. فالمجلس ليس مجرد لائحة أسماء، وإنما مؤسسة يفترض أن تقود قطاعا يعيش تحولات غير مسبوقة..
أما النقابة الوطنية للصحافة المغربية، فمن مصلحة الجميع ألا تتكرر تجربة الجمع بين العمل النقابي وتدبير المجلس. فالنقابة لها وظيفة واضحة تتمثل في الدفاع عن الحقوق المادية والمعنوية للصحافيين، وحماية حرية التعبير، ومراقبة أداء المجلس عندما يقتضي الأمر. فالفصل بين الأدوار يضمن التوازن ويجنب حالة التنافي و تضارب المصالح الذي أثار الكثير من الجدل في المرحلة السابقة..
ولا ينبغي أن يغيب عن النقاش أن المغرب مقبل على استحقاقات كبرى، في مقدمتها تنظيم كأس العالم، وهو حدث عالمي سيضع الإعلام المغربي أمام اختبار حقيقي. لذلك يجب أن يتحول التكوين المستمر إلى أولوية، مع توفير برامج لتعلم اللغات الأجنبية، وتكوينات في الصحافة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والصحافة الاستقصائية، والتواصل الدولي، حتى يصبح الصحافي المغربي قادرا على المنافسة في الفضاء الإعلامي العالمي..
كما أن المجلس المقبل مطالب بالخروج من المركزية المفرطة..فمن غير المعقول أن يضطر صحافي يشتغل في الأقاليم الجنوبية أو الشرقية أو الشمالية إلى السفر مئات الكيلومترات نحو الرباط من أجل إجراء إداري بسيط. ففتح فروع أو ملحقات جهوية أصبح ضرورة، وليس ترفا إداريا، وسيشكل خطوة مهمة نحو تقريب الخدمات من الصحافيين في مختلف جهات المملكة .
والصحافة الجهوية والمحلية تستحق هي الأخرى التفاتا خاصا، لأنها الأقرب إلى المواطن، والأقدر على نقل انشغالاته اليومية. فتقويتها يعني تقوية الإعلام الوطني كله، لأنها تمثل المدرسة الأولى لكثير من الصحافيين، وتشكل خط الدفاع الأول عن الحق في المعلومة داخل الجهات..
أما رئيس المجلس المقبل، فيجب أن يكون شخصية تؤمن بالمهنة قبل المناصب، وتملك الشجاعة للدفاع عن استقلاليتها، وقادرة على الإنصات إلى مختلف مكونات الجسم الصحافي، سواء داخل المجلس أو خارجه. ولا عيب أن يستفيد من خبرات النقابة الوطنية للصحافة المغربية، والفدرالية المغربية لناشري الصحف، والجمعية الوطنية للإعلام والناشرين، والإعلام العمومي، وباقي الفاعلين والحكماء، لأن المرحلة المقبلة تتطلب توحيد الجهود لا صناعة الخصومات..
إن ولاية 2026-2030 قد تكون الفرصة الأخيرة لإعادة الاعتبار إلى مؤسسة التنظيم الذاتي، واسترجاع ثقة الصحافيين فيها. فإذا تحولت مرة أخرى إلى ساحة لتصفية الحسابات، أو إلى أداة بيد الأحزاب أو جماعات الضغط، فإن الخاسر لن يكون الصحافي وحده، وإنما المجتمع بأكمله، لأن الصحافة القوية ليست امتيازا للصحافيين، وإنما ضمانة لكل المواطنين.