مجهر الصحراء : قضايا وطنية.
المشهد الانتخابي : حين يتغير اللاعبون ويبقى الملعب نفسه
أو «من تحزّب داخل النهر نفسه فقد خان!» بقلم : د. مصطفى المنوزي.

لكل مجال نطاقه وقواعد اشتغاله. وإذا كان من المتعذر تصور استقلال كامل بين المجالات، فإن السؤال في الحالة السياسية المغربية لا يتعلق فقط بمن يحكم، بل أيضًا بمن يحدد حدود ما يمكن للحكومة أن تحكم فيه ؛ فالمجال العمومي، بما فيه المجال الحكومي، لا يتحرك في فراغ، وإنما داخل حدود من التخويل والتمكين، وفي علاقة بمجال محفوظ يرسم، بدرجات متفاوتة، سقف الممكن السياسي وحدود القرار والتداول.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو الانتخابات دائمًا منافسة مفتوحة بين مشاريع سياسية متعارضة، بقدر ما تصبح أحيانًا تنافسًا منظّمًا داخل المجال المسموح: تتغير المواقع والتحالفات والألوان الحزبية، بينما يستمر جزء معتبر من الفاعلين والحساسيات نفسها في إعادة توزيع أدوارها.
يشبه الأمر بطولة رياضية: تتنافس الفرق، وينتقل اللاعبون بينها، وقد تتم «الإعارة» جبرًا أو الانتقالات اختيارًا تحت ذريعة ” اوحي له ” ، لكن الملعب وقواعد البطولة يظلان أكثر ثباتًا من اللاعبين. ولذلك قد يفقد الترحال الحزبي بعض غرابته؛ لأنه لا يعني بالضرورة الانتقال بين عوالم سياسية متناقضة، بل قد يكون مجرد إعادة تموقع داخل المجال السياسي نفسه.
ولكي تظل البطولة مثيرة، لا يكفي تبديل اللاعبين وإعادة توزيعهم بين الفرق، بل تحتاج أيضًا إلى كواليسها وتسريباتها: أخبار عن المداولات الداخلية، والخلافات، والتحالفات، والمرشحين، تُقدَّم أحيانًا باعتبارها كشفًا للأسرار وفضحًا للمستور. وهكذا يتحول جزء من «السر الحزبي» إلى مادة للفرجة السياسية، ترفع حرارة المنافسة وتغذي التوقعات، من دون أن تصبح قواعد البطولة نفسها موضوعًا للنقاش.
وقد تؤدي هذه التسريبات، بصرف النظر عن مصدرها أو القصد منها، وظيفة تتجاوز الإخبار: إثارة الجمهور حول من سيلعب ومن سيغادر ومن سيتحالف مع من، بدل مساءلة من يضع قواعد اللعب وحدود الملعب. وهنا يمكن قلب مقولة هيراقليطس بشيء من السخرية: «من تحزّب داخل النهر نفسه فقد خان!»
لذلك، قبل أن نسأل: من سيفوز في الانتخابات؟ ربما ينبغي أن نطرح السؤال الأسبق والأهم: ما الذي تسمح الانتخابات بتغييره فعلًا، وما الذي يبقى خارج مجال التناوب مهما تغير اللاعبون والفائزون؟
لعل هذا هو العنوان الحقيقي للمشهد الانتخابي قبل أن تبدأ البطولة المهندسة على طريقة مستوحاة من مسرحية ” المرتجلة ” للمبدع والمخرج محمد الكغاط ، لينتهي السباق ومعه أدوار الأرانب بتعيين رئيس الحكومة اللائق للمنظومة والمرحلة !
الصورة مأخوذة عن صفحة د مصطفى المنوزي بالفايسبوك.