مجهر الصحراء : كتاب الرأي
أهمية المشاركة السياسية
إعداد : المهندس عبد الله أيت شعيب، نائب برلماني ورئيس مجلس جماعي سابق
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية ببلادنا، وما تفرضه هذه المحطة السياسية من نقاش حول أهمية المشاركة المواطنة، أجد من المفيد أن أستعيد معكم مقتطفًا من كتابي:
«المشاركة السياسية وتحديات الواقع من خلال تجربة نائب برلماني» ، الصادر سنة 2002.
ورغم مرور أكثر من أربعة وعشرين عامًا على صدور هذا الكتاب، فإنني أعتقد أن ما ورد في هذا المقتطف ما يزال يحتفظ بقدر كبير من راهنيته، بالنظر إلى أن الأسئلة المرتبطة بالمشاركة السياسية، ودور المواطن في الحياة العامة، ومسؤولية النخب والأحزاب، لا تزال مطروحة بقوة إلى يومنا هذا.
ومن هذا المنطلق، أضع بين أيديكم هذا المقتطف، لا باعتباره مجرد شهادة من الماضي، وإنما باعتباره فكرة تستحق أن تُقرأ من جديد في ضوء واقعنا السياسي الراهن.
يقول المقتطف :
“أهمية المشاركة السياسية :
الواقع:
صحيح أن المسلسلات الانتخابية في بلادنا منذ الاستقلال إلى يومنا هذا اتسمت بالسلبية المزمنة، بسبب وصول طبقة من الانتهازيين إلى مراكز القرار والمسؤولية، وإلى المؤسسات المنتخبة بسبب شراء ذمم الفقراء بالمال الحرام، ولكنها كذلك تتسم بابتعاد أو إبعاد الجماهير عن المشاركة وبعدم تأطيرها من طرف الأحزاب والهيئات السياسية، وهو ما أدى إلى نتائج عكسية مدمرة للديموقراطية وللانتخابات وللمجتمع بكافة مكوناته.
صحيح كذلك أن الفساد الذي عرفته الانتخابات على يد السلطة وبعض الأحزاب خلال الأربعين سنة الماضية، لعب دورا كبيرا في هزيمة ووأد الديموقراطية بالبلاد، وفي تمييع الفضاء السياسي برمته بحيث فقدت المؤسسات الدستورية مصداقيتها لدى المواطن.
صحيح أن هذا كله دفع بكثير من المواطنين إلى التساؤل: لماذا سنذهب إلى صناديق الاقتراع ونصوت لصالح شخص أو هيئة سياسية، وبعد انقضاء موسم الانتخابات، يغيب الجميع عنا وعن همومنا، وينهمكون في قضاء مصالحهم الشخصية، إلى الموسم الانتخابي القادم.
صحيح كذلك أنه بسبب هذا الفساد تكونت قناعة لدى العديد من المواطنين بأن المشاركة في الانتخابات يعتبر تزكية للأوضاع الفاسدة…
ولكن إلى متى سنستمر في هذا الوضع ؟
ألم يحن الوقت بعد لتصحيح المسار الانتخابي، ومن خلاله المسار المؤسساتي في البلاد ؟
إلى متى ستبقى الأمور تسند إلى غير أهلها ؟
أترون الحل هو التربص بهذه البلاد حتى تنهار وتعم الفتنة وتأتي على الأخضر واليابس ؟ …
ضرورة المشاركة السياسية انطلاقا من الواقع المزري ومن مبدأ الموازنة بين المصالح والمفاسد :
إن ما وصلت إليه أوضاع بلادنا من تردي، يكفي ليكون دافعا لكل مواطن غيور على وطنه لينخرط بشكل من الأشكال في تسيير الشأن العام الوطني أو المحلي كما ينص على ذلك دستور البلاد في فصله الثاني.
كما أن مبدأ الموازنة بين المصالح والمفاسد لتحقيق أكمل المصلحتين ودفع أعظم المفسدتين يكفي لتبرير شرعية العمل السياسي، وأن الإحجام والعزوف عن الانخراط في المشهد السياسي للبلاد بدعوى عدم توفر الشروط اللازمة من ترسيخ للديموقراطية والنزاهة وحقوق الإنسان وانتظار تصفية الأجواء، يعتبر تصرفا سلبيا. (إن الله لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) سورة الرعد/الآية 11 .
أقول لهؤلاء العازفين، إن الأمة بحاجة إليكم في هذه الظروف وليست بحاجة إليكم إذا ترسخت الديمقراطية والنزاهة وحقوق الإنسان…
فبالله عليكم، كيف ترضون استصدار القوانين التي تتحكم حتى في أحوالكم الشخصية (من ولادتكم إلى وفاتكم مرورا بزواجكم) وفي مصير أبنائكم، من برلمانيين انبثقوا من صناديق اقتراع أنتم قاطعتموها وتركتم الساحة فارغة لتجار الذمم ومستغلي فقر وفاقة وجهل الكثيرين من إخواننا المواطنين ؟!
بالله عليكم كيف لكم أن تحاكموا وأن تحاسبوا حكومة انبثقت من أغلبية برلمانية لا يمثل الكثير من أعضائها إلا أنفسهم، ولا هم لهم إلا الحفاظ على مصالحهم الشخصية أو الحزبية وعلى مقاعدهم ومراكزهم ؟!
أَمِنَ المنطق أن نبقى متفرجين على أمثال مدير القرض العقاري والسياحي السابق، والفاسدين من المديرين الكبار ومن رؤساء المجالس الجماعية وغيرهم وهم ينهبون أموال الشعب، في حين نرى الشباب سدت أمامه كل الآفاق وملايين الأسر تئن تحت وطأة الفقر …؟ !
بالله عليكم كيف تحاسبون مجالس محلية انتم ساهمتم في تسرب العديد من المفسدين إلى مراكز القرار فيها بمقاطعتكم للانتخابات ؟!
بالله عليكم كيف تعزفون حتى عن المشاركة في تسيير مجالسكم الجماعية التي تسهر على حاجياتكم اليومية كجمع القمامة أمام منازلكم، وصيانة وتوسيع شبكة التطهير والإنارة والطرقات والمناطق الخضراء في أحيائكم، … ! !؟
ألستم جزءا من هذا المجتمع ؟
ألا تؤدون الضرائب ويتولى التصرف فيها غيركم ؟
ألا تحصلون على أجوركم من خزينة هذه الدولة ( إن كنتم موظفين …)، وتعلمون مواردها من أين هي ؟
ألا تتولى مؤسسات هذه الدولة السهر على أمنكم وعلى تكوين وتعليم وتطبيب أبنائكم…؟
لماذا لا تقاطعون هذا كله كمقاطعتكم للانتخابات وكعزوفكم عن المشاركة السياسية ؟
إنكم أيها الاخوة والأخوات بتخلفكم عن أداء واجبكم الانتخابي حتى رسب الكفء وفاز الأقل منه كفاءة أو عديمها، فأنتم خالفتم أمر الله تعالى في أداء الشهادة وقد دعيتم إليها وكتمتموها والأمة في أمس الحاجة إليها…
قال تعالى: (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ) سورة البقرة / الآية .282
وقال: (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) سورة البقرة/ الآية 283.
إن مبدأ الموازنة بين المصالح والمفاسد يقضي، حتى إذا ادعينا وافترضنا جدلا أن كل الأشخاص أوكل الهيئات السياسية المرشحة للانتخابات دون المستوى الذي نطمح إليه أو حتى فاسدة أو فاسدين كلهم بدون استثناء، يقضي بضرورة التصويت على الأقل منهم فسادا وإلا سنكون آثمين إذا ساهمنا – بمقاطعتنا – في فوز الأكثر منهم فسادا وإضرارا بمصالح المواطنين، وربما سنساهم بذلك في صعود أغلبية برلمانية تعطى لها الشرعية للمساس بالمقدسات الدينية والوطنية للبلاد دون أدنى مقاومة ( ولنا عبرة في الفرنسيين الذين هبوا للتصويت على “جاك شيراك” JAQUECHIRAC في الدور الثاني للانتخابات الرئاسية بفرنسا خلال هذه السنة، رغم عدم قناعة العديد منهم به وبسياسته، حتى يقطعوا الطريق على اليميني المتطرف “لوبان” LEPEN الذي يرونه يشكل خطرا على بلادهم).
ولقد أكد شرعية هذا المبدأ علماء الأمة من مختلف المذاهب الفقهية.
فمن علماء المالكية يقول شهاب الدين القرافي (توفي684 هـ) رحمه الله : ” أما المفاسد إذا اجتمعت فإن أمكن درؤها درأناها، وإن تعذر درؤها فإن تساوت تخيرنا، وقد يقرع فيما يقدم منها، وإن تفاوتت درأنا الأفسد فالأفسد” ( ترتيب الفروق واختصارها 1/ ص 44).
ومن المذهب الشافعي يقول العز بن عبد السلام ( توفي 660هـ) رحمه الله : “إذا اجتمعت مصالح ومفاسد، فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلنا ذلك امتثالا لأمر الله سبحانه: “فاتقوا الله ما استطعتم”،* وإن تعذر الدرء والتحصيل، فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة” ( قواعد الأحكام في مصالح الأنام).
ومن المذهب الحنبلي يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( مدار الشريعة على أن الواجب تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليصها، فإذا تعارضت كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما هو المشروع) (1 ) . ((1 ) مجموع الفتاوى : 28/284 ).
خطورة العزوف السياسي :
إن عزوف الأخيار والغيورين على المقدسات الدينية والوطنية من أبناء هذا الشعب، عن المشاركة السياسية، كان بالإمكان أن تكون له نتائج أكثر سلبية، بل كارثية، لولا النظام الملكي الذي تنعم به بلادنا والذي صمد في وجه العديد من المحاولات اليائسة للمساس به، ولأصبحت أمورنا أكثر فسادا وسوءا، ولمنع حتى لبس الحجاب على فتياتنا ونسائنا ولفرضت العلمانية علينا، ولقمع الأفراد والجماعات من الإسلاميين وغيرهم من أهل الرأي، ولزج بهم في السجون بشراسة وبأعداد أكثر مما هو عليه الحال الآن، وذلك على غرار العديد من البلدان الإسلامية ( تركيا وتونس على سبيل المثال).
ولنا عبرة في الأنظمة العربية المتخلفة التي يعاد فيها “انتخاب” الرئيس لولايات متعددة بنسبة99,99% أو التي هي عبارة عن إمارات عشائرية وعائلية، بل لقد أجرى مؤخرا الرئيسان التونسي والباكستاني استفتاءات مزورة وتعديلات دستورية تسمح لهم بالبقاء في مراكزهم رغم أنف شعوبهم.
إن هذه العقلية تتجسد في بلادنا في تشبث القيادات الحزبية والنقابية بمراكزها رغم وصولها إلى أرذل العمر، وبتمسك العديد من رؤساء الجماعات والمستشارين الجماعيين بمناصبهم بأي ثمن… تلك الرغبة لمح إليها كذلك عند اقتراب المؤتمر السادس لحزب الاتحاد الاشتراكي حين أهلت علينا جريدة الحزب، التي يديرها الوزير الأول – الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي-، بمقال جاء فيه ما معناه :” ألا يحق للأستاذ عبد الرحمان اليوسفي أن يكون زعيم المغاربة قاطبة…”.
إذن، فعقليتنا لا تختلف في شيء عن عقلية إخواننا العرب. فلولا الألطاف الربانية التي أنعمت على هذا البلد بالنظام الملكي الدستوري منذ أجيال، ولوصعد أحد من المدنيين أوالعسكريين إلى الحكم لأبى النزول ولا استطاب البقاء في الحكم رغم أنف الشعب.
وإن قلت هذا فلا يعني أننا وصلنا إلى مرحلة الكمال، بل أمامنا أشواط أخرى لتغيير أحوال بلادنا إلى ما هو أحسن في كل المجالات بدءا بالعنصر البشري .”