مجهر الصحراء : قضايا وطنية .
الأسرة بالصحراء بين ثوابت البادية وتحديات العصر الرقمي والعولمة

تشكل الأسرة النواة الأولى للتنشئة الاجتماعية في كل المجتمعات، إلا أن دورها يكتسي طابعاً خاصاً وحيوياً في المجتمع الصحراوي. ففي عمق الفضاء الصحراوي تلتقي قيم البداوة بأمواج الحداثة.
والحديث عن الواقع التربوي المعاصر للأسرة بالصحراء هو حديث عن معركة يومية بين الحفاظ على الخصوصية الثقافية، وبين الانفتاح القسري على عالم متغير.
1 – انتقال الأسرة الصحراوية من مدرسة البادية إلى مدرسة الحياة :
لقد كانت الأسرة الصحراوية لقرون مدرسة متكاملة ، والتربية كانت شفوية، عملية، وجماعية.
يعتبر الجد والجدة هما بنك الحكمة ، وجلسة الشاي تمثل منتدى القيم ، والترحال والرعي يقدم دروسا في الصبر والاعتماد على النفس والتضامن .
كان الطفل يتعلم مجموعة من القيم مثل النخوة والكرم واحترام الكبير بالممارسة ، وكانت اللغة الحسانية، بأمثالها وحكمها وشعرها هي الوسيلة الأولى لنقل الهوية.
لكن اليوم، مع الاستقرار في المدن: العيون، السمارة، الداخلة، بوجدور… انتقلت الأسرة من فضاء مفتوح إلى فضاء مغلق. ومن تربية المجتمع ككل إلى تربية الأبوين لوحدهما ، مما خلق فراغاً تربوياً كبيراً.
2 – التحديات التربوية المعاصرة التي تواجه الأسرة بالصحراء :
أ – صدمة الرقمنة والعولمة :
دخول الهاتف الذكي ومواقع التواصل الاجتماعي إلى الخيمة قبل أن تدخل إليها المكتبة ، دفع بالطفل الصحراوي إلى أن يتلقى قيمه وسلوكياته من مؤثرين لا يعرفون شيئاً عن ثقافته.
نتج عنه فجوة جيلية حادة بين لغة الآباء الحسانية ولغة الأبناء الدارجة والفرنسية ولغة الرقمنة.
ب – ازدواجية المرجعية التربوية :
إزدواجية بين تربية الأبوين على القيم وتقاليد القبيلة، بينما المدرسة والإعلام يروجان لقيم الفردانية والحرية المطلقة .
وهذا التضارب يخلق لدى الناشئة حالة من التيهان .
ج – تحديات المدرسة والبطالة :
رغم المجهودات الكبيرة في تعميم التمدرس، إلا أن نسبة الهدر المدرسي وتحدي جودة التعليم لا تزال مطروحة. فعندما لا يستوعب سوق الشغل المتخرجين الشباب يتحول الإحباط إلى أزمة داخل الأسرة.
د – ضعف آليات المواكبة الأسرية :
كثير من الآباء، خاصة الأميين، يجدون صعوبة في مواكبة أبنائهم دراسياً في ظل المناهج الجديدة والتعليم الرقمي. كما أن غياب مراكز التأطير الأسري المتخصصة في الثقافة الصحراوية يجعل الأسرة تواجه تحدياتها لوحدها.
3 – كيف يمكن للأسرة الصحراوية أن تتحول إلى قوة ؟
الأسرة الصحراوية تتوفر على رصيد قيمي هائل يمكن أن يكون هو الحل :
1 – يجب تطويع الرقمنة في إنتاج محتوى رقمي باللغة الحسانية، قصص، بودكاست، ودروس تربوية ، حتى لا يفقد الطفل بوصلته.
2 – يجب استثمار مجالس الشاي و اللقاءات الأسرية كفضاءات للحوار بين الأجيال، وليس فقط للحديث عن الماضي.
3 – لنجاح الأسرة مطلوب إشراكها في المناهج، وإدماج مكون الثقافة الحسانية في المقررات الدراسية بشكل أعمق.
4 – تأطير الآباء ببرامج حول التربية الرقمية، مخاطر المخدرات، وكيفية التواصل مع جيل اليوم.
الأسرة الصحراوية اليوم واقفة على مفترق طرق ، فإما أن تنجح في تربية أبنائها على قيم الأصالة من كرم وشجاعة واحترام العهود وحب الأرض… وفي نفس الآن تزودهم بأدوات العصر من العلوم والتكنولوجيا وتعلم اللغات الحية ، وإما أن تستسلم لتيار العولمة فتذوب الخصوصية.
إن التحدي ليس في منع التغيير، بل في إدارته ، فالأسرة الصحراوية القوية هي التي تستطيع أن تربي أبنائها على الأمور الإيجابية ومنها عدم نسيان اصلهم وعادات وتقاليد القبيلة وهويتهم.