🇲🇦🇲🇦 *نداء الضمير الوطني: من المسؤول عن استمرار النزعات الانفصالية بعد خمسين سنة من استرجاع الأقاليم الجنوبية؟*🇲🇦🇲🇦
اعداد، المهندس عبدالله ايت شعيب.
🇲🇦 *الحلقة الثامنة: الأسئلة أكثر إلحاحًا وحساسية في هذا السياق الوطني الدقيق: تلك المرتبطة بدور القبائل الصحراوية، وشيوخها، ووجهائها، وأعيانها..🇲🇦
يوم الأحد 25 يناير 2026.
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
إخوتي وأخواتي في ربوع الوطن وخارجه،
أهلنا الكرام في الصحراء المغربية،
بعد أن حاولت الحلقة السابعة أن تُحدِّد المخاطَب، وأن تنقل النداء من فضاء المواطن إلى مجال المؤسسة، ومن خطاب التذكير العام إلى منطق المساءلة الوطنية الهادئة، بات من الضروري أن نُعمِّق هذا المسار، لا بتوسيع دائرة الاتهام، بل بتدقيق بوصلة السؤال ، ذلك أن الحديث عن المسؤوليات المؤسسية، على أهميته، يظلّ ناقصًا إن لم يُستكمل بالوقوف عند بعض البُنى الاجتماعية والتاريخية التي شكّلت، ولا تزال، ركيزة أساسية في بناء المجتمع الصحراوي، وفي توجيه الوعي الجمعي، وفي صيانة التماسك والانتماء.
ومن هنا، يصبح الانتقال إلى مساءلة القبيلة —بما تمثّله من عمق تاريخي، ورأسمال رمزي، وتأثير مباشر في تشكيل القناعات والولاءات— انتقالًا طبيعيًا، لا قفزًا في النقاش، ولا خروجًا عن منطق النداء الوطني الذي حكم الحلقات السابقة.
فإذا كانت المؤسسات مسؤولة عن السياسات والتدبير، فإن القبائل وشيوخها ووجهاءها يضطلعون بمسؤولية أخلاقية وتاريخية لا تقلّ وزنًا، خاصة في ما يتعلّق بتحصين الوعي الوطني، ولمّ الشمل الأسري، ومخاطبة الأجيال الجديدة بلغة القرب والصدق والانتماء.
وعليه، تأتي الحلقة الثامنة امتدادًا عضويًا لما سبق، لا للتشكيك في الأدوار المشهودة، بل لطرح الأسئلة الأكثر حساسية وإلحاحًا، بروح التقدير لا التجريح، وبمنطق المسؤولية لا الاتهام، في لحظة وطنية دقيقة لم يعد فيها الصمت فضيلة، ولا المجاملة خيارًا.
فإذا كانت الدولة تُحاسَب على سياساتها، والمؤسسات على تدبيرها، فإن التاريخ يُحمِّل القبائل الصحراوية، وشيوخها، ووجهاءها، وأعيانها، مسؤوليةً من نوع آخر؛
مسؤولية لا تُقاس بالميزانيات ولا تُضبط بالنصوص القانونية، بل تُوزَن بالثقة، وتُقاس بالأثر، وتُمارَس في العمق الاجتماعي والإنساني.
فالقبيلة، في السياق الصحراوي، لم تكن يومًا مجرد انتماء اجتماعي أو رابطة دم، بل كانت —ولا تزال— فضاءً للتربية غير الرسمية، وحاضنة للقيم، ومرجعية للانتماء، ولسانًا ناطقًا باسم الحكمة، وذاكرة جماعية تصنع المعنى وتوجّه السلوك.
ومن هذا المنطلق، يصبح من المشروع، بل من الواجب الوطني الصادق، أن نطرح الأسئلة التالية، لا من موقع الاتهام، بل من موقع الحرص على استكمال الأدوار، وتجديد الوظائف التاريخية، في زمن تغيّرت فيه أدوات التأثير، وتبدّلت فيه طرق الاستقطاب، وتعرّض فيه وعي الشباب لاختراقات غير مسبوقة.
ولعل من أكثر الأسئلة إلحاحًا وحساسية في هذا السياق الوطني الدقيق، تلك المرتبطة بدور القبائل الصحراوية، وشيوخها، ووجهائها، وأعيانها، باعتبارهم، عبر التاريخ، ركائز أساسية في صيانة التماسك الاجتماعي، وحاضنة للهوية الصحراوية الأصيلة، ومرجعيات أخلاقية ورمزية ذات امتداد عميق داخل المجتمع المحلي.
وقبل التطرق لتلكم الأسئلة، لا يمكن، في هذا المقام، إلا أن نُسجِّل بكل اعتزاز وتقدير الأدوار الوطنية المشهودة التي اضطلع بها شيوخ وأعيان القبائل، ومعهم المنتخبون المحليون والجهويون والبرلمانيون، وفعاليات النسيج الجمعوي المحلي، وكل الأطر الصحراوية، في مختلف مراحل تدبير ومعالجة ملف الصحراء المغربية، سواء من خلال الدفاع الصادق عن مغربية الصحراء، أو عبر انخراطهم المسؤول في الحوار مع البعثات الأممية، والوفود الدولية، والمنتديات الحقوقية والإعلامية، حيث شكّل حضورهم الميداني، وشهاداتهم التاريخية والاجتماعية، ومواقفهم الواضحة، رافعة حقيقية عززت مصداقية الموقف المغربي، وأسهمت بشكل مباشر في تحقيق مكاسب دبلوماسية وسياسية وازنة لصالح قضيتنا الوطنية الأولى.
لقد كان لهؤلاء الشيوخ والمنتخبين والأطر، بما راكموه من تجربة، وما يتمتعون به من ثقة اجتماعية وشرعية تمثيلية، دور محوري في توضيح حقيقة النزاع للرأي العام الدولي، وتفنيد الأطروحات الانفصالية، وربط الأبعاد السياسية بالامتدادات القبلية والتاريخية والإنسانية للمنطقة، وهو جهد وطني لا يمكن إنكاره ولا التقليل من قيمته، ويستحق كل التنويه والتقدير , غير أن هذا الاعتراف الصريح بالأدوار التاريخية والمكاسب المحققة لا يحول دون التوقف، ومن باب النصح الأخوي والمسؤول، عند بعض مظاهر القصور، خاصة في ما يتعلق بمحاصرة النزعات الانفصالية في صفوف بعض شبابنا، داخل الأقاليم الجنوبية وخارجها.
وهو تساؤل لا يُوجَّه من موقع الاتهام، ولا ينتقص من الرمزية أو الشرعية للشيوخ، بل ينبع من الحرص على استكمال الأدوار، وتجديد أدوات التأطير، واستعادة الوظيفة التاريخية للقبيلة والتمثيلية المنتخبة، كفضاءين أساسيين للتوجيه، والتحصين، وبناء الوعي الوطني، ومواكبة التحولات العميقة التي يعرفها جيل جديد من الشباب.
ومن هذا المنطلق، يصبح طرح الأسئلة التالية ضرورة ملحّة، بقصد تقوية الجبهة الداخلية، وتكامل الجهود، وتسريع معالجة التحديات الداخلية العالقة، بما ينسجم مع حجم الانتصارات الدبلوماسية التي حققها المغرب، ويضمن ترجمتها إلى مناعة داخلية راسخة ومستدامة..:
• *لماذا لا نلمس اليوم حضورًا فاعلًا، ومنظمًا، ومؤثرًا للقبائل وشيوخها في محاصرة النزعة الانفصالية داخل المدن ذات الامتداد القبلي الصحراوي، بل وحتى في التعاطي مع ما يجري داخل مخيمات تيندوف، علما أن روابط الدم، وأواصر القربى، ومشاعر الود والاحترام المتبادل ما زالت قائمة بين أبناء القبائل نفسها على ضفتي الحدود، رغم اختلاف القناعات السياسية، كفيلة لاقناع الشيوخ لابناءهم أينما وجدوا للرجوع الى جادة الصواب ؟*
• *أليست هذه الروابط الإنسانية والقبلية العميقة كفيلة، إن أُحسن توظيفها بحكمة ومسؤولية، بأن تُشكّل جسرًا صادقًا لدعوة الأبناء، أينما وجدوا، إلى مراجعة مواقفهم، والعودة إلى جادة الصواب، بعيدًا عن منطق القطيعة أو التخوين، وفي إطار من النصح، والتبصير، والوفاء للانتماء الوطني الجامع؟*
• *ألم يكن، ولا يزال، في مقدور شيوخ القبائل ووجهائها ومنتخبيها، بما راكموه من حكمة وتجربة، وما يتمتعون به من مصداقية رمزية ومكانة أبوية في الوجدان الصحراوي، أن يخاطبوا أبناءهم خطاب القلب قبل خطاب السياسة، وأن يقنعوهم بأن حلّ النزاع في إطار مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية ليس تنازلاً ولا هزيمة، بل هو بوابة للُّمّ الشمل، وجسر إنساني لإنهاء معاناة أسرٍ شتّتها النزاع، وفرّق بين الآباء وأبنائهم، والأمهات وأفلاذ أكبادهن، بين الرابوني والعيون؟ ألم يكن هذا الحل الواقعي والإنساني كفيلًا بأن يُنهي سنوات التيه، ويُخرج أبناءنا من أوضاع قاسية داخل مخيمات تيندوف، ويعيدهم إلى حضن وطنهم، حيث الكرامة، والأمن، والاستقرار، وفرص العيش الكريم، في ظل دولة تحتضن أبناءها ولا تتاجر بآلامهم؟*
• *وهل من الممكن اليوم تجاوز هذا الفراغ في التأثير القبلي لإعادة توجيه الأجيال، وتثبيت قيم الانتماء، وتعزيز الثقة في الحلول الوطنية الواقعية، بتنسيق مع المؤسسات التعليمية والثقافية وفعاليات المجتمع المدني، بما يقطع الطريق على أي خطاب انفصالي، ويعيد الروابط الأسرية والقبلية إلى مسارها الطبيعي داخل الوطن؟*
فعلى الجميع أن يدرك أن من أكثر ما يؤلم في هذا النزاع المفتعل، أنه لم يعد مجرد خلاف سياسي، بل تحوّل، في حالات كثيرة، إلى جرح إنساني عميق، مزّق الأسر، وشتّت العائلات، وفرّق بين الآباء وأبنائهم، وبين الإخوة والأخوات، بين الرابوني والعيون، وبين المخيمات وباقي مدن الوطن.
ولا توجد قضية عادلة تُبنى على استمرار هذا الألم، ولا مشروع سياسي يستحق أن تبقى الأم بعيدة عن ابنها، أو أن يُحرم الأب من رؤية أبنائه، أو أن يكبر الأطفال وهم أسرى قطيعة لم يختاروها.
إن لمّ الشمل الأسري، وصون الكرامة الإنسانية، يجب أن يكونا المعيار الأخلاقي الأعلى لأي حلٍّ واقعي ومسؤول.
وهنا تبرز مفارقة مقلقة تستوجب التوقف عندها بجرأة ومسؤولية:
لا يعقل أن نُسجِّل نجاحات مبهرة ومتتالية للدبلوماسية المغربية، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، حفظه الله ورعاه، حيث راكم المغرب اعترافات دولية وازنة بمغربية الصحراء، ورسّخ وجاهة مبادرة الحكم الذاتي كحل جاد وواقعي وذي مصداقية، وفي المقابل نرصد إخفاقات مقلقة فيما هو أهم : لم شمل الأسر الصحراوية ومحاصرة النزعة الانفصالية لدى بعض أبنائنا داخل الوطن وخارجه !!!.
إن هذا التناقض بين قوة الموقف الخارجي وهشاشة بعض الجبهات الداخلية لا يمكن تجاهله، ولا يجوز تبريره أو التقليل من خطورته، لأنه يمس كرامة المواطن الصحراوي ويمسّ جوهر الأمن الوطني بمفهومه الشامل: الأمن الفكري، والنفسي، والهوياتي، والاجتماعي.
في الحلقة المقبلة سنتطرق حصريًا لظاهرة خطيرة، رغم بساطتها الظاهرة، وهي تشجيع بعض التلاميذ والأطفال والشباب من أصول صحراوية لفرق رياضية تواجه المنتخب الوطني المغربي.
ظاهرة قد تبدو عابرة أو بريئة في ظاهرها، لكنها في عمقها مؤشر مقلق على خلل في التنشئة والانتماء، وإنذار مبكر لتصدّعات صامتة في الوعي الوطني لدى الأجيال الناشئة.
التغاضي عنها اليوم قد يجعلنا نواجه غدًا أزمة هوية لا تُجدي معها المعالجات المتأخرة.