الضمير الإنساني بين خشية الله والخوف من الناس… ” الضمير الحي نور الله في الإنسان، يردعه عن الخطأ في غياب أعين الناس ” (الكاتب).
يهدف المقال إلى كشف التناقض بين الضمير الأخلاقي ورقابة المجتمع، وأثر الوازع الإيماني في توجيه السلوك بعيداً عن حسابات السمعة والمصلحة.
تتكشف حقيقة الضمير في المواقف التي يستطيع فيها الإنسان تحقيق مصلحته على حساب الآخرين دون أن يخشى المحاسبة. فقد يلتزم بالقواعد أمام الناس، ويحرص على إظهار الاستقامة، ثم يتجاوزها في غيابهم. هنا يتضح الفرق بين من يتمسك بالقيم إيماناً بها، ومن يتخذها وسيلة لحماية سمعته والحفاظ على مكانته الاجتماعية.
تؤدي الأسرة والمدرسة ومؤسسات التنشئة الاجتماعية الأخرى دوراً أساسياً في تشكيل السلوك من خلال الثواب والعقاب، وما يرتبط بهما من قبول اجتماعي أو استبعاد. لكن التنشئة التي تعلم الفرد تجنب اللوم أكثر مما تعلمه تحمل المسؤولية قد تجعله يتقن إخفاء الخطأ بدلاً من مراجعته. وعندما ترتبط المكانة الاجتماعية بحسن المظهر والقدرة على استرضاء الآخرين، يصبح الحفاظ على السمعة مصلحة قد تتقدم على الالتزام بالقيم المعلنة. عندئذ تتحول الأخلاق من معيار يوجه السلوك إلى صورة يوظفها الفرد لتثبيت مكانته، ويغدو تجنب أحكام الناس أهم من مراعاة حقوق من قد يتضررون من أفعاله.
وتتجلى نتائج هذا التناقض في العلاقات اليومية، عندما يلتزم الإنسان بالعدل مع من يستطيع محاسبته، ويتجاوزه مع من يفتقر إلى القدرة على الدفاع عن حقوقه. فقد يدين الغش علناً ثم يمارسه متى ضمن الإفلات من العواقب، أو يطالب باحترام القيم بينما يستثني مصالحه من أحكامها. تكشف هذه الممارسات أن الرقابة قد تفرض الانضباط، لكنها لا تكفي لبناء المسؤولية الأخلاقية، فعندما تضعف المحاسبة، يظهر ما إذا كانت القيم قد ترسخت في قناعات الفرد أم ظلت استجابة لضغط المجتمع. ومن هنا تتأسس الثقة على عدالة المعاملة، ولا سيما مع من لا يملكون القوة لانتزاع حقوقهم.
أما الضمير الحي، فيظهر في احترام الحقوق حين تغيب الرقابة، وفي الاعتراف بالخطأ دون انتظار انكشافه. وفي السياق الإيماني، هو نور الله في الإنسان، يهديه إلى الصواب ويوقظ فيه الشعور بالمسؤولية في السر والعلن. ولا تتجلى قيمة هذا النور في ادعاء الفضيلة، بل في أثره في السلوك، عندما يختار الإنسان الأمانة رغم قدرته على الغش، والإنصاف رغم قدرته على الاستغلال، ومراجعة نفسه بدلاً من البحث عن مبررات تحمي صورته أمام الآخرين.
إن بناء مجتمع تسوده الثقة يتطلب تنشئة تعزز المسؤولية، ومؤسسات تحاسب بعدالة، وثقافة اجتماعية تقدر صدق السلوك أكثر من براعة إخفاء التناقض. فالضمير الذي تحكمه أعين الناس ينشغل بحماية سمعة صاحبه، أما الضمير الذي يستنير بنور الله فيردع الإنسان عن ظلم الآخرين حتى حين يعجزون عن محاسبته، وعندئذ تصبح الأخلاق التزاماً يحكم السلوك، لا مظهراً يتبدل بتبدل الشهود. أليس كذلك أصدقائي الأحباء؟