الصحراء المغربية خارج التشكيلة الحكومية : غياب الكفاءة أم غياب الثقة ؟
بقلم: المهندس عبد الله أيت شعيب
يوم الآحد 18 أكتوبر 2026
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين،
انطلاقًا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، قلنا: لِمَنْ يا رسول الله ؟ قال: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» (رواه مسلم) .
ومن باب النصح الصادق والغيرة على وطننا العزيز، وحرصًا على صيانة وحدته الترابية وتعزيز التماسك بين مختلف مكوناته وجهاته، أجد أن من واجبي قول ما يجب قوله، وطرح الأسئلة التي قد تكون محرجة، لكنها ضرورية لتصحيح الاختلالات وتقوية الجبهة الداخلية.
فالنقد المسؤول ليس تشكيكًا في الوطن وفي وطنية أهلنا في الصحراء، والمصارحة ليست إضعافًا للوحدة الوطنية، بل إن ترسيخ الثقة يقتضي شجاعة الاعتراف بمكامن الخلل والعمل على معالجتها.
وليس هذا النداء جديدًا؛ فقد تناولت هذه القضايا في كتبي وفي مقالات عديدة، وخصصت لها، على وجه الخصوص، سلسلة من 24 حلقة تحت عنوان:
– «نداء الضمير الوطني : من المسؤول عن استمرار النزعات الانفصالية بعد خمسين سنة من استرجاع الأقاليم الجنوبية؟»
سعيًا إلى إثارة نقاش وطني مسؤول حول اختلالات تدبير ملف الصحراء المغربية، إيمانًا مني بأن الدفاع عن السيادة والوحدة الترابية لا ينفصل عن ترسيخ الكرامة، وتكافؤ الفرص، والثقة المتبادلة بين الدولة وأبناء الأقاليم الجنوبية.
ومن هذا المنطلق، يأتي التساؤل اليوم عن غياب الكفاءات الصحراوية عن التشكيلة الحكومية، لا للطعن في الاختيارات السياسية، بل لمساءلة الذات واستشراف ما ينبغي إصلاحه بعد أكثر من نصف قرن من استرجاع أقاليمنا الجنوبية.
إن تنصيب الحكومة ليس مجرد توزيع للحقائب الوزارية أو إعادة ترتيب للمواقع السياسية، بل هو أيضًا مناسبة للتأمل في مدى تمثيلية مختلف جهات المملكة، وقدرة المؤسسات على استيعاب كفاءات أبنائها، وترجمة مبدأ المساواة في المواطنة إلى ممارسة فعلية.
ومن هذا المنطلق، يطرح غياب الكفاءات المنحدرة من الأقاليم الصحراوية عن التشكيلة الحكومية سؤالًا يتجاوز الأشخاص والمناصب:
– هل يتعلق الأمر بغياب الكفاءة، أم بغياب الثقة ؟
أم أن المسألة تكشف عن اختلالات أعمق في تدبير شؤون الصحراء المغربية، وفي بناء العلاقة بين المركز والأقاليم الجنوبية ؟
إنه سؤال مشروع، لا يستهدف التشكيك في كفاءة الحكومة أو الطعن في شرعية اختياراتها، وإنما يروم فتح نقاش صريح حول حصيلة تدبير ملف وطني استراتيجي، امتد لأكثر من نصف قرن، وحول مدى نجاحنا في بناء الثقة وتعزيز الشعور بالمواطنة الكاملة لدى أبناء الصحراء.
أولًا : إذا غابت الكفاءة، فمن المسؤول عن غيابها ؟
لنفترض جدلا أن غياب التمثيلية الحكومية المباشرة لأبناء الصحراء يُفسَّر بعدم توفر الكفاءات المؤهلة لتولي المسؤولية الوزارية. أليس من حقنا، عندئذ، أن نسأل عن الأسباب التي أوصلتنا إلى هذه النتيجة؟
لقد مر أكثر من نصف قرن على استرجاع الأقاليم الجنوبية، وهي مدة كافية لطرح أسئلة جوهرية حول حصيلة السياسات العمومية، ولا سيما في مجال التعليم والتكوين وتأهيل الموارد البشرية.
فإذا لم ننجح، طوال هذه العقود، في بناء قاعدة واسعة من الكفاءات الصحراوية القادرة على تحمل المسؤولية في أعلى مستويات الدولة، فهل المشكلة في أبناء الصحراء أنفسهم، أم في منظومة التعليم والتكوين، أم في سياسات التأطير والإدماج وتكافؤ الفرص؟
إن الكفاءة لا تنشأ من فراغ، ولا تُمنح بقرار إداري؛ إنها ثمرة تعليم جيد، وتكوين ملائم، وبيئة حاضنة للمواهب، ومسارات مهنية تتيح للإنسان أن يتطور ويثبت قدراته.
ومن ثم، فإن غياب الكفاءات، إن ثبت وجوده في مواقع معينة، لا ينبغي أن يتحول إلى حكم على المجتمع الصحراوي، بل يجب أن يكون مدخلًا لمساءلة السياسات التي أنتجت هذه النتيجة، أو لم تنجح في تجاوزها.
فإذا كانت الكفاءة شرطًا لتحمل المسؤولية، فإن توفير شروط إنتاجها مسؤولية الدولة ومؤسساتها.
ثانيًا : وإذا كانت الكفاءة موجودة، فأين الثقة ؟
أما إذا كانت الكفاءات الصحراوية موجودة، وأعتقدها موجودة، ومؤهلة علميًا ومهنيًا وسياسيًا، فإن السؤال يصبح أكثر عمقًا:
ما الذي يفسر عدم حضورها في التشكيلة الحكومية؟
هل يتعلق الأمر بمعايير الاختيار الحزبي؟
أم بتوازنات تشكيل الأغلبية؟
أم باعتبارات أخرى مرتبطة بتدبير التمثيلية الجهوية؟
أم أن هناك فجوة في الثقة تحول دون الانتقال من الاعتراف بالكفاءة إلى إسناد المسؤولية؟
لا يجوز الجزم بدافع معين دون معطيات واضحة، لكن من المشروع التساؤل عن المعايير المعتمدة في اختيار من يتحملون المسؤولية، ومدى إتاحة الفرصة أمام كفاءات مختلف جهات المملكة.
فالثقة ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، ولا خطابًا سياسيًا يُستحضر كلما تعلق الأمر بالقضية الوطنية؛ إنها ممارسة مؤسساتية تتجسد في تكافؤ الفرص، والإنصات، والاعتراف بالكفاءات، وإشراك المواطنين في تدبير شؤونهم.
كما أن الثقة ليست مسؤولية طرف واحد. فالدولة مطالبة بتوسيع فضاءات المشاركة وإزالة الحواجز غير المبررة، والأحزاب مطالبة بتطوير آليات اختيار مرشحيها وقياداتها، والنخب المحلية مطالبة بدورها بتجديد أدائها وتقديم الكفاءات القادرة على تحمل المسؤولية.
فلا يمكن أن نطالب أبناء الصحراء بالثقة في المؤسسات، من دون أن نحرص على أن تكون هذه المؤسسات فضاءً يشعرون داخله بأن كفاءتهم محل تقدير، وأن فرصهم لا تقل عن فرص غيرهم.
ثالثًا : المفارقة الانتخابية التي تستحق التفسير :
تزداد أهمية هذا النقاش عندما نستحضر المشاركة الانتخابية المرتفعة في الأقاليم الجنوبية، والتي عرفت مستويات لافتة في عدد من الاستحقاقات، مقارنة بمناطق أخرى من المملكة.
كما أن الأحزاب المشكلة للأغلبية الحكومية تتوفر على برلمانيين منتخبين من الأقاليم الصحراوية، وهو ما يجعل التساؤل عن امتداد التمثيلية الانتخابية إلى التمثيلية التنفيذية أمرًا مشروعًا.
فإذا كان المواطن الصحراوي يشارك في الانتخابات، ويصوت، وينخرط في الحياة الحزبية، ويسهم في تشكيل المؤسسات المنتخبة، فما الذي يفسر عدم ترجمة هذا الحضور، في بعض الحالات، إلى مشاركة مباشرة في السلطة التنفيذية؟
صحيح أن الفوز بمقعد برلماني لا يمنح صاحبه حقًا تلقائيًا في منصب وزاري، وأن تشكيل الحكومة يخضع لاعتبارات سياسية وتفاوضية وبرامجية متعددة. كما أن التمثيلية الجهوية ليست المعيار الوحيد لاختيار الوزراء.
لكن هذا لا يلغي أهمية السؤال عن مدى انعكاس التنوع الجغرافي والبشري للمملكة في مواقع المسؤولية، وعن قدرة الأحزاب على تحويل حضورها الانتخابي في الأقاليم الجنوبية إلى مسارات حقيقية لتأهيل القيادات والكفاءات.
إن المشاركة الانتخابية لا ينبغي أن تكون غاية في ذاتها، بل مدخلًا إلى مشاركة مؤسساتية أوسع، وإلى شعور المواطن بأن صوته يساهم في تشكيل القرار العمومي، وأن انتماءه الجغرافي لا يشكل عائقًا أمام طموحه المشروع.
فالمطلوب ليس تمثيلية شكلية لأبناء الصحراء، وإنما تمثيلية تقوم على الكفاءة والاستحقاق، وتمنحهم الإحساس بأنهم شركاء في صناعة القرار الوطني، لا مجرد ناخبين يساهمون في إنتاجه من دون أن يجدوا أنفسهم بالقدر نفسه داخل مراكز تدبيره.
رابعًا : أكثر من نصف قرن من تدبير شؤون الصحراء… أليست لحظة للمراجعة ؟
إن قضية الصحراء المغربية ليست مجرد ملف دبلوماسي أو نزاع إقليمي أو قضية حدود وسيادة؛ إنها أيضًا مشروع لبناء الإنسان، وتعزيز الانتماء الوطني، وتكريس العدالة المجالية، وترسيخ الثقة بين الدولة والمواطن.
لقد حقق المغرب تحولات عمرانية واقتصادية ومؤسساتية في أقاليمه الجنوبية، وهي تحولات ينبغي تقييمها بموضوعية، مع الاعتراف بما تحقق، وفي الوقت نفسه عدم التردد في مساءلة الاختلالات التي لا تزال قائمة.
فالتنمية لا تُقاس فقط بحجم الاستثمارات، أو بعدد الطرق والمنشآت، أو بحجم الاعتمادات المالية المرصودة، بل تُقاس كذلك بجودة التعليم، وفرص الشغل، والعدالة في الولوج إلى المسؤولية، وقدرة الشباب على بناء مستقبلهم داخل وطنهم، وشعورهم بأنهم شركاء كاملون في صياغة خياراته.
ومن هنا، تبرز ضرورة إجراء مراجعة شاملة لتدبير شؤون الأقاليم الجنوبية، لا بمنطق المحاسبة الانتقائية أو تبادل الاتهامات، وإنما بمنطق التقييم المؤسساتي المسؤول.
مراجعة تشمل السياسات التعليمية منذ المراحل الأولى، وجودة التكوين الجامعي والمهني، وربط التكوين بحاجيات الاقتصاد المحلي، وتوسيع فرص التشغيل، وتطوير الإدارة الترابية، وتعزيز حضور الكفاءات المحلية في مواقع القرار، وتقييم أداء المؤسسات المنتخبة والحزبية.
كما تستدعي هذه المراجعة الاستماع إلى أبناء الصحراء أنفسهم، بمختلف فئاتهم وأجيالهم، بدل الاكتفاء بالحديث عنهم أو اتخاذ القرارات المتعلقة بهم من دون إشراك كافٍ لهم في صياغتها.
فمن غير المنطقي أن ننتظر نتائج مختلفة إذا استمررنا في تكرار المقاربات نفسها، أو إذا اختزلنا معالجة قضية بهذا الحجم في التدبير الأمني أو الدبلوماسي أو الانتخابي وحده.
خامسًا : حين أقول إن حل نزاع الصحراء يجب أن يكون من الداخل، فماذا أقصد ؟
عندما أؤكد أن حل نزاع الصحراء يجب أن يكون من الداخل، فإنني لا أقصد التقليل من أهمية العمل الدبلوماسي، أو التقليل من شأن المواقف الدولية، أو إغفال دور الأمم المتحدة في المسار السياسي.
إنما أقصد أن الحل المستدام يبدأ ببناء شروطه داخل المجتمع، من خلال ترسيخ الكرامة، وتعزيز الثقة المتبادلة، وتحقيق العدالة في الفرص، وإشراك أبناء الصحراء في تدبير شؤونهم وصناعة مستقبل أقاليمهم.
فلا يكفي أن ندافع عن مغربية الصحراء في المحافل الدولية إذا لم ننجح، بالقدر نفسه، في جعل المواطن الصحراوي يشعر بأن مغربيته تمنحه كامل حقوق المواطنة، وأن انتماءه الوطني يفتح أمامه آفاق المشاركة والمسؤولية، وأن كفاءته تتيح له الوصول إلى أعلى المناصب وفق معايير الاستحقاق.
ولا يكفي أن نطالب الشباب بالانخراط في المؤسسات إذا لم يجدوا فيها ما يعزز ثقتهم بجدوى المشاركة، ولا أن ندعو إلى الاندماج إذا ظلت بعض الفئات تشعر بأن الاعتراف بها يتوقف عند حدود الخطاب.
إن الكرامة ليست مطلبًا ثانويًا، والثقة ليست ترفًا سياسيًا، والإنصاف ليس مجرد أداة لتحسين الصورة؛ إنها جميعًا عناصر أساسية في بناء الانتماء الوطني وتعزيز مناعة الجبهة الداخلية.
وإذا كانت القضية الوطنية تستدعي تعبئة كل الطاقات، فمن الحكمة أن تتحول الكفاءات الصحراوية إلى رصيد وطني فاعل في الإدارة والحكومة والاقتصاد والتعليم والبحث العلمي والدبلوماسية، لا أن يظل استثمار هذه الكفاءات رهينًا بظروف سياسية متغيرة.
كما أن الثقة المتبادلة لا تعني منح المسؤولية على أساس الانتماء الجغرافي وحده، وإنما تعني إزالة كل ما قد يحول دون تكافؤ الفرص، وتوفير الشروط التي تجعل أبناء الصحراء قادرين على التنافس وتولي المسؤولية على قدم المساواة مع بقية أبناء الوطن.
سادسًا : من تدبير القضية إلى الاستثمار في الإنسان :
لعل الوقت قد حان للانتقال من سؤال: كيف ندبر ملف الصحراء؟ إلى سؤال أكثر عمقًا: *كيف نبني الإنسان الذي يجعل مغربية الصحراء واقعًا يوميًا يعيشه المواطن في حقوقه وفرصه وكرامته؟*
إن الاستثمار في المدرسة والجامعة والتكوين المهني، وفتح آفاق البحث العلمي والمبادرة الاقتصادية، وتطوير المؤسسات المنتخبة، وتجديد النخب السياسية، وتوسيع مشاركة الشباب والنساء، كلها مسارات ينبغي أن تتكامل ضمن رؤية وطنية واضحة.
كما أن على الأحزاب السياسية أن تراجع طرق استقطاب الكفاءات وتأهيلها، وألا تحصر علاقتها بالأقاليم الجنوبية في الاستحقاقات الانتخابية أو في حسابات توزيع المقاعد والمناصب.
وعلى الحكومة أن تجعل تقييم السياسات العمومية في هذه الأقاليم قائمًا على مؤشرات ملموسة، لا على الانطباعات وحدها: جودة التعليم، ومعدلات الاندماج المهني، وتكافؤ الفرص، وحضور الكفاءات المحلية في المسؤوليات، ومستوى الثقة في المؤسسات.
فالتنمية الحقيقية ليست ما يُنجز فوق الأرض فحسب، بل ما يُبنى داخل الإنسان أيضًا؛ من ثقة في المستقبل، وإحساس بالإنصاف، واستعداد للمساهمة في خدمة الوطن.
خلاصة : السؤال الذي ينبغي ألا نهرب منه :
إن غياب الكفاءات الصحراوية عن التشكيلة الحكومية، في حد ذاته، لا يكفي للحكم على وجود تمييز أو أزمة ثقة، كما لا يجوز اختزاله في مسألة عددية تتعلق بتوزيع الحقائب الوزارية.
لكنه يفتح بابًا مشروعًا للنقاش حول معايير الاختيار، ومدى استثمار الكفاءات المحلية، وحصيلة السياسات العمومية، وقدرة المؤسسات على تحويل المشاركة الانتخابية إلى مشاركة فاعلة في صناعة القرار.
فإذا كانت الكفاءات غير متوفرة في بعض المجالات، وجب أن نسأل عن مسؤوليتنا في إعدادها وتأهيلها.
وإذا كانت متوفرة ولا تجد طريقها إلى مواقع المسؤولية، وجب أن نفحص آليات الاختيار ومعايير الاستحقاق.
وإذا كانت الثقة متراجعة لدى بعض الفئات، وجب أن نفهم أسباب ذلك ونعالجها بالحوار والإنصاف والممارسة المؤسساتية.
وفي جميع الحالات، لا ينبغي أن يتحول أبناء الصحراء إلى موضوع للنقاش بدل أن يكونوا شركاء في صياغته، ولا أن تختزل علاقتهم بالدولة في المشاركة الانتخابية وحدها.
إن الدفاع عن مغربية الصحراء لا ينفصل عن الدفاع عن كرامة الإنسان الصحراوي، وعن حقه في التعليم الجيد، وتكافؤ الفرص، وتحمل المسؤولية، والمساهمة في صناعة القرار الوطني.
وحين أقول إن الحل يجب أن يكون من الداخل، فإنني أقصد أن نبني، داخل وطننا، تلك الثقة التي تجعل كل مواطن يشعر بأن له مكانًا محفوظًا في مؤسساته، وأن مستقبله لا تحدده الجغرافيا، بل كفاءته واستحقاقه ومواطنته.
فالسؤال الحقيقي ليس فقط :
لماذا غابت الكفاءات الصحراوية عن الحكومة ؟
بل أيضًا:
لماذا لم نفعل، طوال أكثر من نصف قرن، ما كان ينبغي أن نفعله لتمكين الكفاءات الصحراوية من بلوغ أعلى مواقع المسؤولية، وترسيخ الثقة المتبادلة باعتبارها حقيقة مؤسساتية واجتماعية، لا مجرد شعار نرفعه كلما تعلق الأمر بقضيتنا الوطنية ؟
ذلك، في تقديري، هو أحد المداخل الأساسية لتعزيز الجبهة الداخلية، وترسيخ مغربية الصحراء في الوعي والممارسة، وبناء حل مستدام يستند إلى السيادة الوطنية، وإلى الإنسان الذي يشكل جوهر هذه السيادة وغايتها.
للتذكير، ليس هذا التساؤل وليد اللحظة، ولا هو مجرد رد فعل على غياب الكفاءات الصحراوية عن التشكيلة الحكومية؛ فقد سبق لي أن خصصت لهذا الموضوع كتبا ومقالات، من بينها سلسلة من 24 حلقة، تناولت فيها جوانب متعددة من الاختلالات التي رافقت تدبير ملف الصحراء المغربية، تحت عنوان جامع ومستفز، قصد إثارة النقاش وتحريك الأسئلة التي قد لا تكون مريحة، لكنها ضرورية :
«نداء الضمير الوطني: من المسؤول عن استمرار النزعات الانفصالية بعد خمسين سنة من استرجاع الأقاليم الجنوبية؟»
ختاما،
إنني أخشى، بل أحذّر، من أن تؤدي الأنانية السياسية والحسابات الضيقة لدى بعض المتحكمين في دوائر القرار الحزبي وغيره، إلى تقويض الثقة وزعزعة التماسك الداخلي للمغاربة، ليس في الأقاليم الجنوبية وحدها، بل في مختلف جهات المملكة.
ويزداد هذا التخوف حين يصبح الاستوزار، مع كامل الأسف، غايةً في حد ذاته لدى عدد من السياسيين وغيرهم، بدل أن يكون تكليفًا وطنيًا ومسؤوليةً ثقيلة لخدمة المواطنين؛ فتُستعمل، في سبيل بلوغه، مختلف أساليب المناورة والمساومة والتحالفات الظرفية، وتُقدَّم الحسابات الشخصية والحزبية على الكفاءة والاستحقاق والمصلحة العامة.
إن أخطر ما في هذا المنطق ليس فقط إقصاء الكفاءات أو إهدار فرص الإصلاح، بل تحويل المسؤولية العمومية من أمانة إلى مطمح شخصي، ومن وسيلة لخدمة الوطن إلى غاية تُبرّر، في نظر أصحابها، كل الوسائل.
ومتى أصبحت المناصب أسمى من الرسالة، والمواقع أهم من المبادئ، والمصالح الخاصة أقوى من المصلحة الوطنية، فإن الثمن لا يؤديه الطامحون إلى المناصب، بل يؤديه الوطن وثقة مواطنيه وتماسك جبهته الداخلية.
فالمغرب أكبر من الحسابات الحزبية والشخصية، ووحدته أقدس من أن تُعرّضها الأطماع للمخاطر؛ والاستوزار ليس تاجًا يُتسابق إلى نيله، بل أمانة تُنتزع بالاستحقاق وتُصان بالنزاهة وتُبرَّر نتائجها بخدمة المواطن والوطن.
وإنما أقول هذا من باب النصح للوطن، والغيرة على وحدته، والخوف على تماسك أبنائه، لا ابتغاءً لمصلحة أو استهدافًا لشخص أو جهة. فالتاريخ لا يرحم من رأى مكامن الخلل وسكت عنها، والوطن أكبر من كل الطموحات والحسابات الضيقة.
اللهم إني قد بلّغت، اللهم فاشهد. والسلام.