أزمة النقل الحضري بالعيون
بقلم: سيدي اعلي سالم هبد
لا يُقاس رقي الحواضر الحضرية ورسوخ نموذجها التنموي فقط بجمالية ساحاتها أو طول شرايينها المعبدة، بل يتحدد أولاً وقبل كل شيء بمدى قدرتها على ضمان حق موحد وأساسي لساكنتها،حق التنقل السلس، الآمن، والكربم.
في مدينة العيون، التي تعيش على إيقاع تحولات عمرانية واعدة وتطوير بنيوي لافت جعل منها قطباً محورية بالصحراء، يطفو على السطح تناقض صارخ يمسّ الحياةاليومية للمواطن بشكل مباشر؛ إنه اختناق مرفق النقل الحضري.
أزمة لم تعد مجرد مشهد عابر لاكتظاظ طارئ في أوقات الذروة، بل استحالت معضلة بنيوية تتطلب مكاشفة صريحة ومسؤولة.
تجليات العزلة في قلب التمدد العمراني
لقد اتسعت الرقعة الجغرافية لمدينة العيون نحو الشرق والجنوب، وُولدت أحياء سكنية شاسعة أضحت آهلة بالمرتفقين من موظفين، طلاب، وعمال. غير أن هذا التوسع المحمود لم يرافقه بنفس السرعة امتداد متكافئ لشرايين النقل العمومي.
إن المشهد اليومي أمام محطات حافلات النقل الحضري ونقاط تجمع سيارات الأجرة بشقيها يتجاوز كونه تأخراً عن المواعيد؛ إنه هدر لزمن التنمية ولإنتاجية المواطن. عندما يتحول وصول طالب إلى كليته أو موظف إلى مقر عمله أو مواطن إلى المستشفى إلى رحلة محفوفة بالانتظار والجدال، فإننا نكون أمام خلل صريح في إدارة الخدمة العمومية.
عنفوان التشريع وغياب أثر الحكامة من المسؤول؟
وفقاً للقانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات والقوانين المنظمة للجماعات الترابية، فإن تدبير مرفق النقل الحضري وتنظيمه يقع في قلب الاختصاصات
الذاتية والمشتركة للمجالس الجماعية،،فـ المجلس الجماعي لمدينة العيون هو المعني الأهم بصياغة “مخطط التنقل الحضري”، وإبرام دفاتر التحملات مع الشركاء المفوض لهم، ومراقبة مدة التزامهم بالجودة والخطوط والأسطول.
في المقابل، تقف السلطة المحلية وولاية الجهة بصفتها الضامنة لإنفاذ القرارات التنظيمية والتوازن الأمني والمروري، إلى جانب المصالح الجهوية للنقل واللوجستيك المسؤولة عن معايير السلامة ورخص الثقة.
التحدي الحقيقي هنا ليس في انعدام النصوص القوانينية أو صرامة دفاتر التحملات المكتوبة، بل في “هشاشة التتبع والمراقبة”. إن تسليم مرفق حيوي لشريك مفوض دون إخضاعه لتقييم دوري صارم يربط استمرار الرخصة بمدى رضى الساكنة وجودة الخدمة، يفتح الباب واسعاً أمام تكريس الأمر الواقع وتقادم الأسطول وغياب الولوجيات للأشخاص في وضعية إعاقة.
نحو تحول جذري: ما الذي تحتاجه العيون اليوم؟
إن تجاوز هذه الأزمة البنيوية لا يتطلب مسكنات ترقيعية أو حلولاً موسمية، بل يستدعي إرادة سياسية وتدبيرية جادة تترجم عبر أربع خطوات استراتيجية:
إعادة هيكلة شاملة لمخطط التنقل (PDU): فتح خطوط جديدة فوراً ترتبط بالتوسعات العمرانية الحديثة دون إغفال الأحياء الهامشية.
عصرنة الأسطول والرقمنة: إدراج أنظمة تتبع رقمية (GPS) وتطبيق مواعيد دقيقة ومعلنة لوصول الحافلات، مع تعزيز الأسطول بحافلات حديثة تحفظ كرامة الركاب.
التشديد في تنفيذ دفاتر التحملات: ربط التفويض والترخيص بمؤشرات أداء ومعايير جودة قابلة للقياس والمحاسبة.
الديمقراطية التشاركية إشراك المجتمع المدني وجمعيات حماية المستهلك والفاعلين المحليين في لجان المراقبة والتقييم لضمان نقل صوت المواطن اليومي.
إن النقل الحضري ليس تفصيلاً خدماتياً ثانوياً، بل هو العصب الذي يربط المواطن بمدينته وبمؤسساته. وإن النجاح التنموي الحقيقي لمدينة العيون سيبقى منقوصاً ما لم ينعكس على السلاسة التي يتنقل بها أبناؤها يومياً. لقد حان الوقت لتكتل جهود كافة المتدخلين – من منتخبين وسلطات ومؤسسات معنية – لوضع حد لهذه المعاناة، وجعل النقل الحضري بالعيون نموذجاً يواكب طموحات أقاليمنا الجنوبية ورفاهيتها.