مجهر الصحراء : كتاب الرأي.
النظام الأساسي للصحفيين المهنيين ضمانات الحماية الاجتماعية والكرامة المهنية .
بقلم الصحفي : محفوظ أيت صالح.
ننطلق في هذه السلسلة من الحلقات من السؤال المركزي : أي نظام أساسي يحتاجه الصحافي المغربي حتى تكون كرامته المهنية وحمايته الاجتماعية واستقلاله التحريري في مستوى المسؤولية التي يحمّله إياها المجتمع ؟
من المداخل المهملة نسبيا في معالجة وضع الصحافة المغربية هذا القانون الذي يعطي للصحافي الصفة المهنية المنظمة بموجب قانون فالقانون رقم 89.13 المتعلق بالنظام الأساسي للصحافيين المهنيين يشكل واحداً من أهم النصوص القانونية المؤطرة لمهنة الصحافة في المغرب، ليس فقط لأنه يحدد من هو الصحافي المهني ؟ وشروط إثبات هذه الصفة؟ ولكن أساساً لما يرتبط به من حقوق مهنية واجتماعية تمس الحياة اليومية للصحافيين، من عقود الشغل والأجور والتعويضات والعطل، إلى الحماية في حالة الفصل، وشرط الضمير، والحقوق المرتبطة بالإنتاج الصحافي.
ولهذا فإن أي تعديل لهذا القانون لا يتعلق بمقتضيات تقنية أو تنظيمية فحسب، بل يمكن أن تكون له آثار مباشرة على الوضع الاجتماعي للصحافي وكرامته المهنية وظروف اشتغاله واستقلاله داخل المؤسسة الإعلامية. فحماية حرية الصحافة لا تنفصل عن حماية الصحافي نفسه، كما أن مطالبة الصحافي بالاستقلال والمهنية تصبح أكثر صعوبة عندما تكون وضعيته الاجتماعية هشة أو عندما لا تكون علاقته بالمؤسسة المشغلة محاطة بضمانات واضحة ومتوازنة.
وتزداد أهمية هذا النقاش بالنظر إلى التحولات العميقة التي عرفتها المهنة خلال السنوات الأخيرة. فقد تغيرت أنماط العمل داخل المؤسسات الصحافية، واتسع مجال العمل الحر، وأصبحت المؤسسات تنتج المحتوى لمنصات متعددة، كما برزت تحديات جديدة مرتبطة بالصحافة الرقمية وحقوق المؤلف والذكاء الاصطناعي. وهو ما كان يجعل مراجعة النظام الأساسي فرصة لإجراء تقييم شامل لما تحقق منذ صدوره سنة 2016، وما كشفته الممارسة من ثغرات وإشكالات.
غير أن مسار تعديل القانون يطرح بدوره أسئلة مشروعة حول منهجية إعداد الإصلاح وحجم التشاور المهني الذي سبقه. فقد صادق مجلس الحكومة على مشروع القانون رقم 27.25 في 3 يوليوز 2025، وأحيل بعد أيام على البرلمان، قبل أن يصادق عليه مجلس النواب في 6 يوليوز 2026، ثم يستكمل مساره بمجلس المستشارين في يوليوز من السنة نفسها. وخلال المرحلة الأخيرة من المناقشة البرلمانية قُدمت تعديلات من مكونات نقابية وبرلمانية، لكنها لم تغير النص الذي خرج من مجلس النواب.
هذا المسار يدفع إلى التساؤل عما إذا كان تعديل نص بهذه الأهمية قد سبقه نقاش مهني واسع بما يكفي داخل الجسم الصحافي، يسمح للصحافيين، بمختلف أوضاعهم المهنية والمناطق التي يشتغلون بها وأنواع المؤسسات التي يعملون داخلها، بالتعبير عن المشكلات التي يواجهونها واقتراح الحلول المناسبة لها. فالتشاور مع الهيئات التمثيلية مهم، لكنه لا يعوض بالضرورة الحاجة إلى نقاش أوسع مع الفاعلين الذين سيطبق عليهم القانون يومياً .
ومن هنا تأتي هذه السلسلة في ست حلقات، ليس بهدف إصدار حكم مسبق على التعديلات، وإنما من أجل قراءة القانون من زاوية الصحافي نفسه: من يحق له أن يحمل هذه الصفة؟ ما موقع بطاقة الصحافة؟ هل يوفر القانون حماية اجتماعية كافية؟ ماذا عن الصحافي الحر؟ أين تقف حدود سلطة المؤسسة وأين يبدأ استقلال الصحافي؟ من يملك
الإنتاج الصحافي؟ وهل استجابت تعديلات 2026 فعلاً للتحولات التي عرفتها المهنة ؟
سنحاول في الحلقات الست الانتقال من النص القانوني إلى واقع الممارسة، ومن المقتضيات التي تغيرت إلى القضايا التي بقيت خارج التعديل، بهدف المساهمة في نقاش هادئ حول سؤال أساسي:
أي نظام أساسي يحتاجه الصحافي المغربي حتى تكون كرامته المهنية وحمايته الاجتماعية واستقلاله التحريري في مستوى المسؤولية التي يحمّله إياها المجتمع؟
الحلقة الأولى: من هو الصحافي المهني؟ …يتبع