تقدير_موقف: تآكل الردع الإيراني وسيناريوهات التحول الهيكلي
د.عبداللطيف مشرف .
1 – معضلة “القوة الخارجية” والهشاشة البنيوية:
تستند الاستراتيجية الإيرانية (بشكل يشبه الجيوبوليتيك الإسرائيلي) على تصدير معاركها للخارج. سقوط “محور المقاومة الذي تركته إيران يواجه مصيره بمفرده” أو انكفاؤه لا يعني خسارة حلفاء فحسب، بل يعني تعري “العمق الداخلي” الهش. القوة التي لا تنبع من تماسك اقتصادي ومجتمعي داخلي هي قوة “قشرية” تنهار بمجرد كسر حواجز الصد الخارجية.
2 – انتهاء الصلاحية الوظيفية للإيدلوجيا:
عاش النظام طويلاً على استثمار صراعات الهوية (سني/شيعي) وتصدير الثورة، وهي أوراق استخدمتها القوى الدولية (واشنطن تحديداً) لإعادة صياغة التوازنات الإقليمية. اليوم، يبدو أن “العمر الافتراضي” لهذا الدور قد انتهى، وبدأت مرحلة البحث عن “بديل وظيفي” جديد يتناسب مع ترتيبات الشرق الأوسط القادمة.
3 – الانكشاف الأمني والفجوة التكنولوجية:
أثبتت الضربات الأخيرة أن “الترسانة الصاروخية” وحدها لا تشكل ردعاً كافياً في حروب الجيل الخامس.
غياب المظلة الجوية: يترك العمق الإيراني مستباحاً.
#التغلغل_الاستخباري: وصول الاختراقات لدوائر صنع القرار والمستوى “أ” في القيادة يعكس انهيار الحصانة الداخلية للنظام، بل مستوى الخيانة اعتقد من اقرب المقربين .
ويؤكد ذلك التطورات المتسارعة التي طالت قمة هرم القيادة في طهران وحلفائها، تتعزز فرضية وجود اختراق داخلي عميق بلغ مستوى الدائرة الأقرب إلى علي خامنئي، بما يشي بأن الأمر لم يكن مجرد خلل أمني عابر، بل قصور بنيوي في منظومة الحماية وصنع القرار. فطبيعة الضربات وتركيزها على لحظات تجمع قيادي حساسة توحي بإمكانية توظيف معلومات داخلية لتقليص كلفة الاستهداف وتسريع توقيته، بما يخدم حسابات خصوم إقليميين ودوليين مثل إسرائيل والولايات المتحدة. ويكتسب هذا الطرح زخماً عند المقارنة مع اغتيال حسن نصرالله، إذ تتشابه أنماط الاستهداف من حيث استغلال الثغرات المعلوماتية واللحظات التنظيمية الحرجة، ما يعكس أزمة أمنية مركّبة تتجاوز الأفراد إلى بنية النظام ذاته. كما أن سوابق مثل مقتل إبراهيم رئيسي ووزير خارجيته حسين أمير عبد اللهيان عمّقت الشكوك حول كفاءة منظومة الإنذار والحماية، وأبرزت سمات الجمود المؤسسي وتضخم الثقة الذي يصيب النظم الممتدة في السلطة، حيث تتراجع قابلية المراجعة النقدية وتضعف مرونة التكيّف مع بيئات تهديد متغيرة، ما يفتح المجال لاختراقات استراتيجية تعيد رسم موازين الردع والرد المضاد في الإقليم.
4 – خذلان_الحلفاء ونظرية “الاحتواء اللوجستي“:
يظهر السلوك الروسي والصيني بوضوح أن طهران ليست “خطاً أحمر” وجودياً لهما. الدعم سيبقى محصوراً في الأطر اللوجستية والدبلوماسية، مما يترك النظام في مواجهة منفردة مع “الجراحة الأمريكية” التي تستهدف رأس الهرم القيادي.
5 – استراتيجية “كي_الوعي” وتغيير الداخل:
تعتمد العمليات الجراحية المركزة على ضرب “هيبة النظام” في عيون شعبه وحلفائه. النظام الذي لا يستطيع حماية رموزه يفقد مبرر وجوده الأخلاقي والسياسي، مما يهيئ التربة الشعبية لتقبل “البديل الإصلاحي” الذي سيعمل على:
#تحييد إيران إقليمياً.
#تفكيك البرنامج الصاروخي/النووي مقابل رفع العقوبات.
#الانخراط في المنظومة الدولية بشروط أمريكية كاملة.
ولكن يبقي الجواب عند القادة الإيرانيين الحاليين… فهل سيقبلوا بذلك أم سيذهبون للحرب الشاملة وحرب الوجود لا الانهيار وفرض الحصار الاقتصادي على الجميع… مدى استمرار قوة الضربات الإيرانية والغير متوقعة أو مدى مدتها الزمنية ومدى تحملها هو الذي سيحدد القبول أو الرفض وعدم الخروج من المعادلة…
#الخلاصة_الاستراتيجية:
نحن لا نشهد مجرد جولة عسكرية، بل نشهد “هندسة سياسية” لإعادة إيران إلى حدودها الجغرافية كدولة وطنية (State) بدلاً من كونها “ثورة عابرة للحدود” (Revolution)، مع قبولها بدور “الطرف المحايد” في الصراع الإقليمي.