مجهر الصحراء : قضايا وطنية.
المتقاعدون في المغرب بين المطرقة والسندان وتأزم وضعيتهم الاقتصادية والاجتماعية…!

يمثل المتقاعدون شريحة واسعة في المجتمع المغربي تضم موظفي الدولة والجماعات الترابية والمستخدمين في القطاع الخاص.
وبعد سنوات من العطاء في الخدمة، ينتقل الموظف إلى مرحلة ثالثة من الحياة يفترض أن تكون مرحلة كرامة واستقرار ، لكن الواقع يطرح تساؤلات كثيرة حول وضعهم القانوني والاجتماعي ، وهو ما يفسر خروجهم المتكرر للإحتجاج أمام قبة البرلمان بالرباط.
1 – الوضعية القانونية للمتقاعدين في المغرب :
تخضع وضعية المتقاعدين لعدة أنظمة قانونية حسب القطاع :
1 – الصندوق المغربي للتقاعد CMR : يضم موظفي الدولة، الجماعات الترابية، والمؤسسات العمومية ، ويتم احتساب المعاش على أساس 2.5 % عن كل سنة عمل في حدود 80% من آخر أجرة.
2 – النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد RCAR : يضم مستخدمي المؤسسات العمومية ذات الطابع الإداري وبعض شركات القطاع العام.
3 – الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي CNSS : يضم أجراء القطاع الخاص ، ويتم احتساب المعاش بعدد أيام التصريح وسقف الأجر .
وبشكل عام ، فالقانون يضمن للمتقاعد حقه في المعاش بعد بلوغ السن القانونية واستيفاء عدد سنوات الاشتراك ، كما يضمن له الاستفادة من التغطية الصحية عبر نظام AMO .
2 – الوضعية الاجتماعية والاقتصادية ، أين يكمن الخلل؟
رغم الطابع الحمائي للقانون ، إلا أن الواقع اليومي للمتقاعدين يكشف عن 4 أزمات كبرى :
أ – تآكل القدرة الشرائية :
المعاش هو هو جامد ، فالمتقاعد الذي كان يتقاضى 6000 درهم سنة 2010، لم يطرأ عليها أي تغيير اليوم رغم أن تكاليف الدواء والغذاء والكراء تضاعفت ، والنتيجة تراجع فعلي في مستوى العيش.
ب – عبء الأمراض المزمنة :
مع التقدم في السن ، ورغم التغطية الصحية ، إلا أن نسبة التحمل ونفقات الأدوية غير المغطاة تبقى مرتفعة وتثقل كاهل المتقاعد.
ج – العزلة والتهميش الاجتماعي :
الانتقال المفاجئ من محيط العمل إلى البيت يخلق فراغاً نفسياً ، في ضل غياب سياسات عمومية للترفيه والثقافة والسياحة الخاصة بالمتقاعدين يجعلهم يشعرون بالنسيان .
3 – لماذا الوقفات المتكررة أمام البرلمان بالرباط ؟
الوقفات ليست “مزاجية” بل نتيجة تراكم مطالب لم تجد طريقها للحل. وأهم أسبابها :
1 – الزيادة العامة في المعاشات :
وهذا هو المطلب المركزي ، فالمتقاعدون يطالبون بزيادة سنوية مرتبطة بالتضخم، على غرار ما يقع للموظفين النشيطين ، ويعتبرون أن تجميد المعاش لـ 10 أو 15 سنة هو إعدام بطيء للقدرة الشرائية.
2 – الإعفاء من الضريبة على الدخل :
يعتبر المتقاعدون أن اقتطاع الضريبة من المعاش هو اقتطاع مزدوج ، ذلك أنهم أدوا الضريبة أثناء العمل، والآن يؤدونها مرة أخرى على معاش هو في الأصل حق مكتسب .
3 – مراجعة سقف المعاش في الضمان الاجتماعي :
يطالب مستخدموا القطاع الخاص برفع سقف احتساب المعاش الحالي ، لأنه لا يضمن لهم عيشاً كريماً كما يجعل معاش أغلبهم لا يتجاوز 1500 أو 2000 درهم.
4 – تفعيل مؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للمتقاعدين :
المتقاعدون يطالبون بتفعيل هذه المؤسسة بشكل حقيقي حتى تقدم لهم خدمات اجتماعية وصحية وثقافية تليق بهم .
5 – ويضل السبب المباشر للاحتجاج هو شعور المتقاعدين بالإقصاء من الحوار الاجتماعي ، وترى التنسيقيات أن ملف المتقاعدين لا تتم مناقشته بجدية في جولات الحوار ، ويتم تأجيله دائماً .
إن المتقاعد ليس عبئاً على الدولة ، إنه مواطن أدى واجبه طيلة 30 و 40 سنة وساهم في بناء الإدارة والمقاولة.
فما دامت المعاشات تتآكل ، والضريبة مستمرة ، والخدمات غائبة ، فلا شك أن الوقفات ستستمر !
والحل لا يكمن في “مسكنات” ظرفية، بل في إرادة سياسية واضحة تعتبر ملف المتقاعدين ملفاً استراتيجياً.