مجهر الصحراء – كتاب الرأي .
الذكاء الاصطناعي..هل هو بداية لإنهيار الثقة..؟
بقلم : د . عبدالكريم بكار.
كثير من الناس ما زالوا يظنون أن أخطر ما في الذكاء الاصطناعي هو أنه سيأخذ الوظائف.
وأظن أن هذا ليس أخطر ما فيه.
الأخطر أنه بدأ يأخذ الثقة.
لقد كانت صورة الإنسان وصوته يومًا من أقوى الأدلة على صدق ما ينسب إليه. فإذا رأيت عالمًا يتحدث، أو سمعت داعية يلقي كلمة، أو شاهدت مفكرًا يوصي بمنتج، فقد كنت تطمئن إلى أن هذا الكلام خرج منه فعلًا.
أما اليوم…
فلم يعد الصوت دليلًا.
ولم تعد الصورة دليلًا.
ولم يعد الفيديو دليلًا.
لقد أصبح بالإمكان أن يُصنع شيخ كامل داخل الحاسوب؛ بصوته، ونبرة حديثه، وحركات وجهه، وحتى طريقته في الابتسام.
وقد يمدح دواءً لم يره.
أو يزكي شركة لم يسمع بها.
أو يفتي بقول لم يخطر له على بال.
ثم ينتشر المقطع إلى ملايين الناس قبل أن يعلم الشيخ أصلًا أن اسمه استُخدم.
إننا نقترب من مرحلة لن يكون فيها السؤال:
“هل هذا الكلام صحيح؟”
بل:
“هل هذا الشخص قاله أصلًا؟”
وهنا تبدأ أزمة لم يعرفها التاريخ من قبل.
لقد كان الكذب قديمًا يحتاج إلى شاهد زور.
أما اليوم…
فقد يحتاج فقط إلى حاسوب قوي.
إن أخطر ما يمكن أن يخسره المجتمع ليس المال الذي سيدفعه في إعلان مزور، بل انهيار الثقة نفسها.
فإذا أصبح الناس يشكون في كل صورة، وكل صوت، وكل مقطع، فإننا لا نخسر معلومة واحدة، بل نخسر الأساس الذي تقوم عليه المعرفة.
ولهذا فإن التربية في السنوات القادمة لن تكون تعليم الأبناء كيف يستخدمون الذكاء الاصطناعي فقط، بل كيف يقاومون الانخداع به.
سنحتاج أن نربيهم على التثبت أكثر من السرعة.
وعلى السؤال قبل المشاركة.
وعلى البحث عن المصدر قبل الإعجاب.
وعلى أن يقول أحدهم: “لا أعلم إن كان هذا حقيقيًا.” بدل أن يقول: “رأيته في فيديو، إذن هو صحيح.”
إن أخشى ما أخشاه أن يأتي يوم يصبح فيه الكذب أرخص من الحقيقة، وأسرع انتشارًا منها، وأكثر إقناعًا أيضًا.
وحينها…
لن يكون الذكاء الاصطناعي قد هزم عقولنا.
بل سيكون قد هزم عادتنا في التثبت.