متى يشعر الشاب أنه ناجح؟
من أكثر الأسئلة التي تشغل الشباب اليوم سؤال النجاح.
لكن اللافت أن كثيرًا منهم يبحث عن النجاح في المكان الخطأ.
فمنهم من يربطه بالمال، ومنهم من يربطه بعدد المتابعين، ومنهم من يربطه بالمنصب أو الشهرة، حتى أصبح الشاب يشعر أحيانًا أنه متأخر في الحياة، لا لأنه لم ينجح، بل لأنه يقارن نفسه بمن يراه على الشاشات.
وهنا تكمن المشكلة.
إن النجاح ليس شعورًا يصنعه تصفيق الناس…
بل حالة من الاتزان الداخلي تنشأ حين يدرك الإنسان أنه يسير في الطريق الذي خُلق له.
ولهذا فإن أول علامة على النجاح ليست كثرة الإنجازات…
بل وضوح الاتجاه.
فالإنسان الذي يعرف غايته، ويعيش وفق قيمه، أقل اضطرابًا من إنسان يحقق الإنجازات وهو لا يعرف لماذا يسعى إليها.
والنجاح الحقيقي يبدأ حين يشعر الشاب أن يومه أفضل من أمسه.
أنه تعلم شيئًا جديدًا.
أصلح خلقًا في نفسه.
اكتسب مهارة.
قرأ كتابًا.
أحسن إلى والديه.
اقترب خطوة من هدفه.
فالنجاح ليس قفزة واحدة…
بل تراكم خطوات صغيرة.
ومن الأخطاء التي يقع فيها كثير من الشباب أنهم يقيسون أنفسهم بنتائج الآخرين، ولا يقيسون أنفسهم بما كانوا عليه قبل عام أو عامين.
وهذا يورث الإحباط؛ لأن لكل إنسان ظروفه، ورحلته، واختباراته.
ولذلك فإن الإسلام لم يجعل معيار التفاضل المال، ولا الشهرة، ولا النفوذ، وإنما قال سبحانه:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
إن التقوى لا تعني الانعزال عن الحياة، بل تعني أن يكون النجاح في الدنيا منضبطًا بقيم السماء.
ولهذا قد يسبق إنسانٌ غيره في الراتب، لكن يتأخر عنه في الأمانة.
وقد يسبقه آخر في الشهرة، لكنه يسبقه في الإخلاص.
وقد يملك أحدهم كل أسباب الرفاهية، لكنه يفتقد الطمأنينة.
ومن هنا فإن الشاب الناجح ليس الذي جمع كل شيء…
بل الذي لم يخسر نفسه وهو يجمع الأشياء.
ومن العلامات المهمة للنجاح أيضًا أن تتسع دائرة المسؤولية.
فالإنسان في بداية حياته يفكر في نفسه فقط.
ثم ينضج، فيبدأ يفكر في أسرته.
ثم في مجتمعه.
ثم في أمته.
وكلما اتسعت دائرة اهتمامه، اتسعت قيمة حياته.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل شاب على نفسه ليس:
كم حققت؟
بل : من أصبحت بعد كل ما حققته؟
فقد يزداد الإنسان مالًا، ولا يزداد نبلًا.
ود يزداد شهرة، ولا يزداد حكمة.
وقد يزداد علمًا، ولا يزداد خشية.
أما النجاح الذي يبقى أثره، فهو النجاح الذي يبني الإنسان من الداخل قبل أن يرفع مكانته في الخارج.
ولهذا فإن أجمل شعور يمكن أن يعيشه الشاب، ليس أن يقال عنه: “لقد نجح”…
بل أن يشعر كل يوم أنه يقترب من الصورة التي يحب أن يلقى الله بها.