ما_وراء_الغموض …
د . عبداللطيف مشرف .
« الإبهام المُحسَّن أكثر فاعلية من الوضوح المتسرّع »… هكذا لخّص هنري كيسنجر فلسفة السياسة الأمريكية في إدارة العلاقات الدولية، وهي الفلسفة ذاتها التي تبدو اليوم حاضرة بوضوح في مشهد المنطقة العربية والإسلامية.
فالغموض الاستراتيجي بات يلفّ كل شيء، بينما تتحرك واشنطن وفق منطق إدارة_الفوضى لا حلّ الأزمات كما يتوهم البعض؛ إذ تقوم استراتيجيتها على صناعة بؤر التوتر لا حل الأزمات، وسنرى أنها بعد أن صنعت الفوضي في المنطقة وعدم الثقة في الإقليم ستنسحب في أي لحظة وبدون مقدمات حتى، وذلك بعد إيقاظ الوحوش الكامنة، ثم إعادة توظيفها ضمن خرائط النفوذ وموازين القوى الجديدة.
وفي خضم ذلك، تمددت إسرائيل لتفرض وقائع جيوسياسية على معظم جوارها، فيما عززت إيران حضورها في مضيق هرمز، وأُعيد إنعاش نظام ولاية الفقيه عبر حملة دعائية ضخمة ركزت على إبراز مفهوم «الردع غير المتماثل» باعتباره قوة استراتيجية صاعدة.
والسؤال الأهم هنا : إلى أين ستتجه هذه الفوائض الهائلة من القوة والنفوذ مع أي انسحاب أمريكي محتمل؟ وأي مشروع إقليمي يجري رسمه خلف ستار الضجيج والفوضى؟
ومع ذلك، ما زال كثيرون يتساءلون ببراءة : ماذا حدث؟ وكأن المنطقة لم تُدفع منذ سنوات إلى حالة ممنهجة من صناعة_الوعي_الزائف، عبر إعلام موجَّه وأموال أمةٍ مثخنة بالجراح، حتى تحولت السذاجة_السياسية لدى بعض النخب والجماهير إلى أزمة إدراك حقيقية تعجز عن قراءة ما وراء المشهد.